شعوب لا تعرق!
مَرَّ عربيٌ على بائع عشب مطحون بأحد الأسواف في أوروبا.. وسأله: عفوا ً سيدى.. ما هذا من فضلك؟ فأجابه البائع: إنها بدرة لـ"العَرَق".. فتبسم العربي وقال: معذرة.. لا حاجة لي بها.. فربما صُنعت لغيري! فتعجب البائع من صنيع الرجل.. وسأله في دهشة: لماذا تنكر حاجتك إليها يا رجل.. هل يوجد إنسان لا يعرق؟ فأجابه العربي بوجه تملؤه البهجة وربما "البله": نحن شعوب لا تعرق!
فاندهش البائع من صنيعه أكثر.. ورسم على وجهه ألف علامة للغضب والتعجب.. نظر في وجهه بتهكمٍ وقال: شعوب لا تعرق.. هى شعوب لا تعمل..ّ وشعوب لا تعمل.. هى شعوب لا تستحق الحياة!
فمنذ أن هبط الإنسان على الأرض وهو فى علاقة وثيقة بالإنتاج والعمل؛ كضرورة لبقائه حيًا على قيد الحياة.. ومن ثم فإن الحديث عن القوى البشرية مقرونًا بالحديث عن القوى العاملة والتي لم يتجاوز عددها فى مصر 27 مليون عامل من بين 90 مليون. منهم 21 مليون من الذكور و6 ملايين فقط من الإناث..
وفى الوقت الذى يستهلك فيه كل أفراد المجتمع السلع والخدمات، البعض فقط هم من يساهمون في الانتاج! والتساؤل الذى يطرح نفسه هل تستطيع بلد في حجم مصر أن تقتات على عرق أقل من 30 % من سكانها؟ وهل تستطيع دولة 70 % من سكانها غير منتجين أن تحقق نهضتها المنشودة؟!
العمل والانتاج والسعادة كلها مفاهيم اكتسبت خصوصية خاصة داخل كل المجتمع؛ وارتبطت بمعنى الحياة لدى كل إنسان. معنى الحياة الذى ساهمت في تشكيله ظروف وأوضاع كل مجتمع، وخلقت هذه الظروف لدى كل مواطن أفكار تحولت إلى مشاعر.. أو شكلت داخله مشاعر تجسدت في صورة أفكار..
وشَكَّلَت هذه الأفكار والمشاعر في ذهنية كل مواطن مفاهيم؛ جعلته في عالمنا الفقير ربما غير مدرك للمعنى الحقيقى للسعادة.. بل أنه أصبح على يقين أنه لا حياة بدون ألم.. وأنه إذا ضحك كثيرا يستعيذ بالله من الشيطان.. وإذا شعر بفرط الفرحه بَكَىَ.. وإذا ارتفع صوت فرحته قال "اللهم اجعله خير"..
وإذا أسر بفرحته إلى أحد رجال الدين قال له على الفور “لا تفرحوا بما أتاكم ولا تحزنوا على ما فاتكم”! فتحولت ضمائرنا إلى كرباج نجلد به أنفسنا عقب كل شعور بالفرح أو السعادة! ليس ذلك فحسب.. بل أصبحت رغبتنا فى تصديق الأخبار المبشرة بحلول الهم والغم والضيم والفشل ثلاثة أضعاف رغبتنا فى تصديق الأخبار التى تبشرنا بقدوم الرخاء والتنمية! فنحن مستعدون دائما على تصديق الخبر الأسوأ!
وربما يسألني قارئ وما علاقة ذلك بالتنمية والعمل والإنتاج؟ والإجابة بسيطة.. فقد يكون العمل في ذاته مصدرا للسعادة.. أو يكون وسيلة تقودنا دائما إلى تحقيق السعادة.. أو يصبح مجرد وسيلة للتسلية وإهدار الوقت! إذن العلاقة بين العمل والسعادة واضحة وحتمية.
فحينما يصبح العمل في ذاته مصدرا للسعادة أو وسيلة فاعلة لتحقيقها تنهض البلاد والشعوب وترتقى.. أما حينما يصبح العمل وسيلة للتسلية؛ تتخلف الشعوب عن التنمية، وتصبح السعادة لحظة يعيشها مواطن؛ ويدفع ثمنها أجيال كثيرة متعاقبة..
ومن ثم فنحن أمام نموذجين للشعوب، أحدهما يعمل بذهنية تدفعه بقوة إلى السعادة.. وأخر يعمل بذهنية ترده بقوة إلى الانحطاط!
وإذا كانت التنمية ترتبط بثقافة الادخار.. والادخار مرتبط بالسعادة.. فالمقارنة بين الشعوب المتقدمة والمتخلفة فى هذا السياق تكشف حقيقة الارتباط.. فالشعوب المتحضرة حينما ترغب فى شراء سلعة بعينها، تقوم بادخار جزء من مصروفاتها اليومية، حتى يكتمل ثمن السلعة فتقوم بشرائها على الفور؛ ثم احتفلت بالحصول عليها؛ ومن ثم فهي مدفوعة إلى الحفاظ عليها؛ بدعوى الخوف من العودة إلى الحرمان الذى عاشته من أجل الحصول على السلعة..
أما فى بلادنا فمفهوم الادخار مختلف.. فحينما تحتاج الأسرة الى سلعة معينة تذهب إلى اقتراض ثمنها؛ ومن لحظة شراء السلعة تدخل الأسرة فى دائرة مغلقة من المعاناة والحرمان تحرمها من سعادة الحصول على السلعة.. ولا يخرج الإنسان من هذه الدائرة إلا بسداد القرض أو دخول السجن..
وتصبح السلعة -التى كانت من المفترض أنه مصدر للسعادة- مصدر للهم والغم والبؤس.. فيلعَنُها الإنسان فى كل صباح، ويعاقبها بالإهمال حتى تتحول إلى خردة غير قابلة للاستخدام!
وحول مفاهيم السعادة والعمل والتنمية لا تختلف ذهنية المواطن في بلدنا كثيرا عن ذهنية حكومته.. فإذا كان لدينا حكومات تتبنى برامج للتنمية المستدامة.. فهناك حكومات أخرى تتمنى نماذجًا للتنمية المستدانة.. وفى الوقت الذى تقوم فيه التنمية في البلدان المتقدمة على الوعي المصرفي كوسيلة لمواجهة الفقر وتحقيق التنمية.. فهناك شعوب ترى أن أفضل وسيلة لحفظ الأموال وجعلها حلالا هو وضعها تحت البلاطة!
