كيف جعل الإعلام الضريبة على الهاتف كقميص عثمان؟!
خلال الأيام الماضية، تَصَدَّرَ موضوع الرسوم الجمركية للهاتف المحمول على طاولة معظم المنصات الإعلامية، وللأسف فقد استخدم بعض الإعلاميين كارت المغتربين كقميص عثمان في هجومهم الشرس على القرار والحكومة، ووجدوا فيه مادة دسمة في مغازلة الرأي العام للمصريين بالخارج وذويهم بالداخل..
حتى أن بعض الإعلاميين المحسوبين على السلطة، والمتهمين شعبيًا بالتأييد المطلق دون تمييز، وجدوا في هذا الأمر فرصة لتبييض وجوههم، وغسيل سمعتهم من تهمة الانحياز المطلق للسلطة الحاكمة، كمحاولة لكسب بعض الشعبية، ولا سيما بعد الأصوات التي نادت مؤخرًا بالتخلص من هذه الوجوه، التي ترفع درجة استفزاز رجل الشارع أكثر من الحكومة نفسها.
ولأن هؤلاء الإعلاميين يعلمون جيدًا أن الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي تصغى جيدًا للمواطن، وترصد نبض الشارع، وتستجيب لمطالب المواطن دون أن تجد في نفسها غضاضة أو استكبار أو عناد، مثلما كانت تفعل الأنظمة الحاكمة السابقة. فقرروا اللعب بهذا الورقة الأخيرة كطوق نجاة في مواجهة طوفان التغيير.
أخذ هؤلاء الإعلاميون، وبسطحية واضحة، يكيلون الاتهامات ضد صانع قرار الجمرك على الهاتف المحمول، بأنه لم يقدر فضل المغتربين، ولم يزن تأثيرهم الاقتصادي في دعم الاقتصاد المصري، وأن من شأن هذا القرار إحداث غصة في حلق المغترب، مما سيترتب عليه خسارة تحويلاتهم الدولارية.
وأخذ البعض الآخر يعدد أفضال المغتربين على مصر مستشهدًا بأرقام تحويلات العاملين بالخارج التي يعلنها البنك المركزي دوريًا.
وقد أخذ الهجوم على القرار الحكومي محورين، المحور الأول: وهو ادعاء تضرر المغتربين من القرار وتوعدهم بإيقاف التحويلات. والمحور الثاني: حصر أفضال المغتربين على الدولة وعلى من يعولون بالداخل.
وفيما يخص المحور الأول: فعمليًا وبصفتي أحد المغتربين في الخليج، فإن هذا الجدل على شاشات الفضائيات، وعلى بعض الصفحات التابعة لهم على وسائل التواصل، لم أجد له أساسًا على أرض الواقع سواء في مكان العمل، أو حتى في الكافيهات أو الأسواق أو مناطق تجمع المصريين المغتربين، أو حتى على جروبات المغتربين في مدن الإقامة بالخارج!
لأن المغتربين ببساطة عبارة عن فئتين، الفئة الأولى وتشمل الأطباء الاستشاريين والمهندسين الاستشاريين ومدراء المشروعات، وغيرهم ممن تتجاوز رواتبهم الشهرين 10 آلاف دولار. وهؤلاء لن يعنيهم سداد 500 دولار جمرك على الآيفون، وليس لديهم الوقت لتضييعه في هذا الجدل.
الفئة الثانية من المستورين والبسطاء، وهؤلاء ربما لا يستبدل أحدهم هاتفه قبل 5 سنوات، ويمتلك هاتفًا تقليديًا، ربما قد اشتراه من مصر، وليس لديه أدنى مشكلة إن أراد الشراء أن يشتري من مصر، لأنه لا يملك رفاهية شراء الهواتف الباهظة، ولديه أولويات أكثر وجاهة.
أما فيما يخص المحور الثاني: فللدولة المصرية فضل لا يحصى على المغترب قديمًا وحديثًا فلو وضعنا فضل الدولة المصرية على المغترب، وفضل المغترب عليها لرجحت كفة الدولة.
فالمغترب الذي يعمل طبيبًا استشاريًا أو مهندسًا وقد تجاوز راتبه 10 آلاف دولار شهريًا في كبرى المستشفيات أو المشاريع الكبرى، لولا الشهادة الأكاديمية التي حصل عليها بالمجان في مصر، والتي سبقها رحلة تعليم مجانية قبل الجامعة، لما كان له أي قيمة بالخارج، ولما رُفِعَت له راية. فهذه الشهادة هي حصاد التعليم المدعوم من الدولة، الذي جاء من جيوب دافعي الضرائب الغلابة في داخل مصر.
وهؤلاء الغلابة الآن بالمعاش وتحاول الدولة جاهدة مساعدتهم لتعويضهم عن الفرق بين المرتب والمعاش لمواجهة لهيب ارتفاع أسعار العلاج والدواء والكساء والغذاء. لذلك كان فضل الدولة سابقًا وسباقًا على هذا المغترب.
ولو تم تقييم تكلفة التعليم المجاني وقتها وتقييمه بسعر الذهب وقتها، ومحاسبة المغترب عليه الآن مضافًا إليه الفوائد السنوية، لَعَجِز عن الوفاء. ولكن الدولة الأبية قد أبت أن ترد على هؤلاء بنفس لغة الجحود الوقحة التي أشم فيها "إنما أوتيته على علم عندي" والعياذ بالله. هذا بالنسبة لفضل الدولة قديمًا في بداية حياته وتعليمه.
أمام حديثًا، فتنفرد مصر بتقديم خدمات وتسهيلات للمغتربين لا تقدمها أي دولة أخرى في العالم لرعاياها العاملين بالخارج. فالموظف الحكومي المعار أو المرافق، قامت الدولة بفتح باب الإعارات والإجازات، بحيث يظل هذا الموظف محتفظًا بوظيفته وحاجزها مدى الحياة، حارمًا شخصًا آخر من شغلها بالداخل، حتى إذا استغنوا عنه بالخارج، يعود ويستلم عمله في اليوم الذي تطأ أقدامه الأراضي المصرية إن أراد!
في حين أن بعض الدول الشقيقة تضع حدًا أقصى للموظف، وبعض الدول لا يمكن كسر الإجازة إن عاد المعار قبل انتهاء مدة الإجازة، ويظل في بيته دون راتب حتى تنتهي المدة الصادر بها قرار بالإجازة.
وبخصوص مبالغ التحويلات السنوية للمغتربين بالخارج، فإن نسبة لا بأس بها هي عبارة عن مقدمات حجز أراضي وشقق وسداد أقساط لوزارة الإسكان، التي مكنت العاملين بالخارج من شراء عقارات أونلاين في إطار العديد من المشروعات مثل مشروع بيت الوطن وبيتك في مصر.
هذه العقارات يتم طرحها بأسعار تنافسية، مكنت معظم المغتربين من تحقيق أرباح خرافية تجاوزت دخولهم في دول الإقامة على مدار سنوات طويلة. ولمن لا يصدق كلامنا فعليه مطالعة أسعار الأراضي التي يتم عرضها للبيع فور التخصيص بأوفرات تجاوزت ال 10 ملايين للقطعة الواحدة في بعض المدن، وبذلك يتسبب المغترب في إشعال السوق العقاري على المواطن بالداخل.
ومن لا يصدق ذلك أيضًا، فالدولة تمتلك سجلًا بالتوكيلات بالبيع والشراء التي يتم تحريرها في السفارات بالخارج لذات الأراضي المطروحة للمصريين بالخارج، توقيتات معاصرة لتوقيتات الطروحات.
وكان هذا هو سر الصخب الإعلامي الذي صاحب المرحلة العاشرة أراضي، حيث لم يكن الأمر بغرض تخصيص مسكن بقدر ما هو "خناقة على نقوط الفرح" – لذلك أنتهز هذه الفرصة بأن أطلب من وزير الإسكان بعدم التخصيص في المراحل القادمة لمن سبق له التخصيص قبل ذلك.
كما أطلب بحصر توكيلات التصرفات الناقلة للملكية لأراضي بيت الوطن، وإصدار قرارات منع من السفر لكل من لم يسدد ضريبة التصرفات العقارية المستحقة عن واقعة البيع. ولا نحتاج أن نذكر مبادرة السيارات بالخارج، وقيام الآلاف ببيع موافقاتهم الاستيرادية والاستفادة من هذه المبادرة الحكومية.
وبالتالي فإن هذه الفئة التي اعتادت الأخذ دون العطاء والتربح والإثراء دون سبب، هي من تاجرت بالأراضي وهي من تاجرت بمبادرة السيارات وهي من احترفت تهريب التليفون المحمول وتصيح في كل مرة ملوحة بكارت التحويلات. وهؤلاء ضررهم أكثر من نفعهم، لأنه سبب مباشر في الإضرار بالاقتصاد وإخراج الأموال من الداخل لشراء الأراضي والتليفونات بالدولار من الخارج.
وللأسف فإن قصور الإعلام الرسمي الحكومي على مستوى الوزارات المعنية أو حتى على مستوى مجلس الوزراء قد أثبت عجزه وقصوره المعلوماتي في الرد على هذه المزاعم وتفنيدها ودحض تلك الصعبانيات الزائفة، التي استخدمت كحق يراد به باطل، والتي ليس لها وجود في أرض الواقع بين أوساط المغتربين الحقيقيين الذين يمثلون السواد الأعظم.
