رئيس التحرير
عصام كامل

الرعب.. بضاعة النظام العالمي الجديد

18 حجم الخط

أتابع مثل غيري طاحونة تدور بالعالم بسرعة الصاروخ، لا يفيق الناس إلا على مصيبة أكثر قسوة من تلك التي لم تنته منذ لحظات، تلف برؤوسنا عجلة التدوير الأخيرة لصناعة عالم أكثر امتثالًا، والامتثال لا يصنع حماية، والحماية ذاتها لم تعد ذات جدران تحمي ظلها.

 

يقول الأمريكي الجديد: الحرب قادمة، أنياب المحتل الجديد تجهز لصيد ثمين، إيران الضحية القادمة على مذبح التقسيم الجديد لعالم تسيطر فيه الصهيونية على آخر ما تبقى من إنسانية الإنسان، بين لحظة وأخرى سيسقط نظام جديد، بدأ بسقوط بغداد آخر حصون التوازن الإقليمي.


من محيط فنزويلا إلى حدود الخليج القابع تحت الحماية الوهمية يتحرك الأسطول المهيمن على كل شيء، على النفط والمعادن وأرواح الناس، كل الناس، لم يعد هناك مأمن ولا مهرب، الكل مستهدف بآلة الحصاد المر، لم يعد هناك حليف يحتمي بحليفه؛ فالحليف هو اللص القادم حاملًا كل صنوف الموت لمن يرفض ولمن ينصاع أيضًا.


لم يعد الماء منحة السماء لخير الأرض، أصبح سلعة استراتيجية يبتاعها التجار على قارعة الأنهار، ولم يعد الهواء للجميع، سيعبأ في أنابيب يعيش من يستطيع الدفع، ولم تعد أنت مواطنًا بسيطًا يمكنك الانكفاء على ذاتك، أصبحت جزءًا من عملية التدوير التي تبتلعها طواحين العم سام.


ولم يعد الخطر إحساسًا طارئًا، أضحى عملية ديناميكية تحيط بك في عملك وفي بيتك وداخل ضلوعك، الخوف أصبح وريدًا يتمدد في كل تفاصيل جسدك المنهك، ولم يعد الاستسلام تسليمًا وذلًّا وهوانًا وكفى، المنتصر الجديد لا تحكمه قواعد الشرف عند الانتصار!


ولم تعد السياسة هي ذلك الغلاف الذي يزين الموت بسياج من الحياة الوهمية، السياسة أصبحت لغة غليظة تعلنك بأن وطنك لا بد وأن ينصاع، وطنك لا بد وأن يسلم، وبعد الانصياع وبعد التسليم أنت على المذبح توضع قطعة قطعة في فم جائع لا يشبع أبدًا.


والقبض على الرئيس ليس نهاية لحرب أو إعلان لانتصار، واستسلام الشعب وتسليم المقدرات ليس نهاية المطاف، المطلوب وأد الإرادة والركوع والسجود والرضوخ وإشهار الامتنان في وجه قاتلك قبل أن تلفظ أنفاسك الأخيرة، كل الطرق تؤدي إلى ما هو أبعد من الموت ذلًّا.


أنت تتابع وأنا أيضًا، أنت تنتظر لحظة سقوطك وأنا أيضًا، والمتابعة والانتظار والسقوط ليس فرديًا ولا جماعيًا، مطلوب أن تسقط الأمم التي لا تزال تحتفظ بإنسانيتها وتحفظ من أخلاق البشر قيمًا عاشت لها وعليها ومن أجلها، هاوية تبتلع السلام عند الاحتضار.


ليست طهران المطلوب الوحيد كما لم تكن بغداد المطلوب الوحيد وكما لم تكن كراكاس المطلوب الوحيد، كل العواصم أهداف طالما لم تنصع، وإن انصاعت فهي أيضًا مطلوبة، هندسة القيم لا هندسة الأرض، إعلان من أشرار العالم بالحرب ضد عمليات الخلق في طريق التمهيد لديناميكية الموت الدائم.


الرعب هو بضاعة النظام العالمي الجديد، أن تأكل رعبًا وتشرب رعبًا وتتنفس رعبًا، أن تستسلم دون مقاومة وأن تسلم دون إرادة وأن تصبح جزءًا من العالم المنشود بإعلان التوبة عن الشرف وأن تلقي بشرفك في أقرب سلة للمهملات وأن تهتف لقاتلك قبل الموت وبعد الموت وعند الحساب.

سردية واحدة قابلة للبقاء، سردية المسيرات والأساطيل، سردية القنابل الحارقة والنفوس المارقة والقتل من أجل القتل، سردية الخراب والدمار وسيادة لسيد واحد، لا أوطان ولا حدود ولا شعوب ولا تاريخ، لا قيم ولا أديان، لا بيت ولا أرض، ولا صلاة إلا في محراب البيت ولا بيت إلا البيت الأبيض.

الجريدة الرسمية