رئيس التحرير
عصام كامل

حديث قلب

ما بين حافظ.. وشوقي

حياة أمير الشعراء أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم شاعر النيل، مختلفة ومتباينة، فالأول عاشها مترفة ناعمة، بينما الثاني بدأها بائسة متعبة! ورغم ذلك نرى أن ما بين الشاعرين الكبيرين الكثير؛ فقد كانا مرتبطين ببعضهما بطريقة غير عادية، وأثروا لغتنا الجميلة على أي خلاف بينهما، وشهدنا ونحن طلاب ندرس اللغة العربية وادابها مداعبات لطيفة في مواقف كثيرة خلدها التاريخ!


فقد طالت المنافسة الشعرية بينهما للتأكيد على الزعامة الشعرية لكل منهما، رغم الاختلاف الطبقي والاجتماعي بينهما! وأستعرض هنا المساجلات الرائعة التي فاقت كل جمال وأدب وحب وإحترام، لكني أبدأ بحياة شاعر النيل العظيم حافظ ابراهيم، فقد استوقفني كفاحه وعصاميته وإصراره علي النجاح في ظل هذه الظروف الصعبة.

 

الشاعر الأسيوطي الصعيدي الذي عاش ستين عاما خلال الفترة ما بين 1872 – 1932، والذي مازلنا نتغنى بأشعاره الوطنية الجياشة، لم يجد من التقدير والحفاوة ما يليق به؛ لا في حياته ولا بعد وفاته. 
 

وُلد فقيرا، وعاش يتيما، غير أنه كان ذكيا سريع الحفظ، قوى البديهة، تكفله خاله لفترة من الزمن غير أنه لم يصبر عليه، فغادر حافظ بيت خاله، وترك له رسالة، فيها بيتين ظريفين من الشعر:

ثَقُلَت عليك مؤونتي    إني أراها واهية
فافرح فإني ذاهب      متوجه في داهية

 

ثم ذهب إلى أقارب له في طنطا؛ وعمل هناك بالمحاماة؛ رغم أنه لم يكن لديه مؤهل مناسب، فالمحاماة في وقته لا تحتاج سوى لباقة وفصاحة وحجة، غير أنه ترك المحاماة بعد أن خسر إحدى القضايا؛ وهدده الموكل بالقتل لو رآه في طنطا.. 

 

فهجر طنطا وغادر إلى القاهرة، والتحق بالجيش وعمل ضابطا قبل أن يتم فصله فيما بعد، بسبب علاقته بمحمود سامي البارودي وزعماء الثورة العربية العائدين من منفاهم، وبسبب قصيدته الوطنية التي جاء فيها:

قَد مَرَّ عامٌ يا سُعادُ وَعامُ               وَاِبنُ الكِنانَةِ في حِماهُ يُضامُ
صَبّوا البَلاءَ عَلى العِبادِ فَنِصفُهُم      يَجبي البِلادَ وَنِصفُهُم حُكّامُ
أَشكو إِلى قَصرِ الدُبارَةِ ما جَنى       صِدقي الوَزيرُ وَما جَبى عَلّامُ

علاقة حافظ إبراهيم وأحمد شوقي

وارتبط حافظ إبراهيم بمحمود سامي البارودي، وسعى البارودي إلى توثيق العلاقة بين حافظ وأحمد شوقي؛ فاقترح أن يحدد بينهما لقاء وخاصة أن شوقي كان يرغب في لقاء حافظ إبراهيم، غير أن حافظ كان يرى أن شوقي هو شاعر القصر وأنه ليس بوطني، ولذا فقد رفض اقتراح البارودي، وقال: لن أسعى إليه في قصره، كما أنه لن يرضي هو بأن يزورني في بيتي المتهدم!

 

غير أنه التقى شوقي ذات ليلة، بإحدى قهاوى النيل بالقاهرة؛ حين كان يجلس حافظ مع شعراء بائسين ظرفاء مثله، وإذ بشوقي يمر بعربته من أمامهم فينادي على حافظ قائلا: يا حافظ أنا أحمد شوقي تعالى يا عزيزي، فيرد حافظ، قائلا: يا عزيزي أحمد شوقي، إذا كنت تريدني، فأقبل، واجلس معنا بين هؤلاء الظرفاء، فأنا لا حاجة لي عندك حتى آتيك إلى عربتك!


فرد شوقي: كما تريد يا أستاذ حافظ، إنه والله ليسعدني أن أجلس مع أساطين الفرح والفكاهة والشعر اللطيف في مصر.

 

واستمرت العلاقة بين حافظ إيراهيم  وأحمد شوقي فيما بعد، إنسانية حينا، وذات سجالات شعرية أحيانا، وبعد أن نُفي شوقي إلى أشبيلية بالأندلس، وفي إحدى الأيام أرسل رسالة إلى حافظ إبراهيم، بعنوان: من الغائب إلى المقيم (أي من شوقي الغائب إلى حافظ المقيم بمصر)، وبداخلها قصيدة من ثلاثة أبيات، يقول فيها:

 

يا ساكني مصر إنا لا نزال على      عهد الوفاء وإن غبنا مقيمينا
هلا بعثتم لنا من ماء نهركم            شيئا نبل به أحشاء صادينا
كل المناهل بعد النيل آسنة            ما أبعد النيل إلا عن أمانينا

 

فشعر حافظ إبراهيم بمدى حنين أحمد شوقي إلى مصر، ورد عليه بقصيدة من ثلاثة أبيات أيضا، عنوانها: (من المقيم إلى الغائب)، قال فيها:

عَجِبتُ لِلنيلِ يَدري أَنَّ بُلبُلَهُ             صادٍ وَيَسقي رُبا مِصرٍ وَيَسقينا
وَاللَهِ ما طابَ لِلأَصحابِ مَورِدُهُ        وَلا اِرتَضَوا بَعدَكُم مِن عَيشِهِم لينا
لَم تَنأَ عَنهُ وَإِن فارَقتَ شاطِئَهُ           وَقَد نَأَينا وَإِن كُنّا مُقيمينا

 

بعد ذلك عمل حافظ إيراهيم مديرا لدار الكتب، وخلال عمله في الدار، قل إنتاجه الأدبي. ثم بلغ به الحزن مبلغه بعد أن مات عدد من أصدقائه، ثم مرض مرضَ الموت، وفي يوم الـ 21 من يونيو عام 1932 فاضت روحه إلى بارئها؛ ودُفن بمقابر السيدة نفيسة عند جبل المقطم بالقاهرة، غير أن قبره غير معروف هناك!

 

 

وكان أحمد شوقي في الإسكندرية حين توفي حافظ إبراهيم، فرفض سكرتيره أن يبلغه كي لا يحزن، وبعد ثلاثة أيام، علم شوقي بالنبأ فحزن حزنا شديدا، وقال:

قد كنت أوثر أن تقول رثائي    يا منصف الموتى من الأحياء

وبعد أقل من 4 أشهر لحق أحمد شوقي بحافظ إبراهيم ودفن أيضا بالسيدة نفيسة، رحمة الله عليهما.

الجريدة الرسمية