رئيس التحرير
عصام كامل

أصحاب المقام من الموتى

كان يمكن التمهل مع موضوع مقابر السيدة نفيسة والإمام الشافعى والبساتين والسيدة عائشة والتعامل بطريقة مختلفة، وتأجيل التطوير في ظرف وتوقيت مختلفين، خاصة وأنها ليست حدثا مهما يستدعي كل هذه الضجة لحين تجاوز الأزمات الأكثر إلحاحا، وهو ما دعا الرئيس للتدخل وتشكيل لجنة لإعادة تقييم بقيع مصر وطريقة النهوض بالمنطقة. 

 

ذلك أن تلك الأضرحة استقرت عبر الزمن بهالة من القدسية جعلت البعض يهرع إليهم بالسكري، وفقا لأبحاث عالم الاجتماع المصري الدكتور سيد عويس، وهرع الكثيرون للمقابر والأضرحة سواء بالزيارة أو التبرك والتمسح، والتي وصلت إلى حد التوسل لإنجاب المرأة العاقر وشفاء المريض. 

 

وقد كانت المعالجات خاطئة مثل فيلم "صاحب المقام" قصة يحيي، وهو رجل أعمال شاب يبني مجمعا سكنيا في أحد المناطق التي يتواجد بها مقام لشخص يدعى "سيدي هلال"، ويحذره أحد شركائه من هدم المقام، ولكنه لا يبالي ويقوم بالأمر، وبعد ذلك تبدأ حوادث سيئة، منها دخول زوجته في غيبوبة، فيبدأ في محاولة استرضاء الأولياء. 

 

وهكذا تضرب هذه القصة في مقتل كل محاولات التخلص من فكرة أولياء الله الصالحين، والشفاعة التي سيطرت قرونا على المصريين، حيث عاد حنين بعض المشاهدين لمثل هذا التدين الزائف لدرجة أن عدد الأضرحة والمقامات الصوفية في مصر حتى الأن عددها وصل إلى ما يقرب الـ 6000 ضريح- بحسب وزارة الثقافة، بعضها مزيف لم يستدل علي صاحبه أو قصته..

 

ومنها الأضرحة التي نعرف أصحابها وقصصهم.. لكن الغريب في ذلك أن هناك بعض الأضرحة التي لا تحتوى في الأصل علي رفاة أموات وبالرغم من ذلك يتردد عليها المواطنين ليطلبوا حاجتهم ويجعله وسيطا في الدعاء بينه وبين الله عز وجل.

ترويج الشائعات وهوس زيارة الأضرحة

 

وكان الفاطميون هم أول من تفننوا في إشغال العامة بهوس زيارة الأضرحة لنيل البركة، لكن غالب هذه الأضرحة قال عنها البعض أنه رأي للمتوفي كرامة أو نور علي قبره وما شابه ذلك، فتم تصنيفه من الصالحين ليذهب بعد ذلك الناس للتبرك به وهذا ما يطلق عليه أضرحة الرؤية.

 

وراح الايوبيين ينافسون الفاطميين والشيعة بنفس الأسلوب الذي اتبعوه وهو بناء المقامات والأضرحة، لذا قاموا بتشييد بعض القباب لأهل السنة وعلي رأس هذه القباب قبة «الإمام الشافعي»، والذي أتي السلطان الكامل ببعض الأخشاب من الهند لبناء هذه القبه تقديرا لمنزلة الإمام الشافعي.

 

 وهناك أساطير تروي عبر الزمن لاصحاب المقامات ومنها «الشيخ العبيط» الذي أنقذته ثورة يوليو 1952 من يد الملك فاروق.. وتحول لـ«عمر مكرم» وأم الغلام منقذة «رأس الحسين» وقِبلة السيدات للإنجاب والزواج.. وحكاية انتسابها لآل البيت..

 

أما «أبو حصيرة» فهو حاخام يهودي ركب البحر على حصيرته وألغى القضاء مولده وشطب اسمه من الأثار، والشيخ «كوكو» أنقذته ثورة يناير2011.. و«أبو العرايس» بركة وحماية للعروسين والشيخ «المحروقي».. جنينا أنقذ أمه من النار.. و«السبع بنات» لجلب العريس.. و«راكب الحجر» لعلاج العقم.. 

 

لكن الكثير استغلوا أحلام البسطاء لتحقيق مكاسب مادية من وراء ادعاء أنها أضرحة للصالحين، في حين أنها جثامين مجهولة الهوية والكثير من أصحاب النفوس الضعيفة، يستغلون ارتباط المصريين بالأضرحة والمقامات في جمع الأموال دون عناء، بالإضافة إلى ترويج شائعات وأساطير وخرافات. ما دعا قوات الأمن إلى إزالة العديد من الأضرحة التي تم اكتشاف عدم وجود أي رفات لمقامات بداخلها خلال عمليات الإزالة..

 

وربما تكون تلك القصة التراثية، تؤكد خرافات بعض أصحاب الاضرحة ذلك أنه فى ليلة ما دفن رجلان حمارًا ميتًا فى قبر ظاهر، وفى الصباح سأل الناس عن سر القبر، فأخبرهم الرجلان «مقام أحد الأولياء»، فبدأ الناس يتباركون به، ويقسمون بكراماته، ودار حوار بين الرجلين، أقسم أحدهما بـ«حياة الولى»، فرد الآخر: «ده إحنا دفنينه سوا». 

 


القصة التى تسخر من «المقامات المزيفة» و«الأضرحة الوهمية»، تبدو دالة على انتشار مثل هذه الأضرحة التى تتسبب فى إثارة الجدل داخل الحركات الصوفية نفسها، والتى تطالب بهدمها وتعقبها، لأنها أبنية غير ذات أصل، ولا تتبع وزارة الأوقاف المصرية أو لجنة الأضرحة التابعة للمجلس الأعلى للطرق الصوفية.

الجريدة الرسمية