رئيس التحرير
عصام كامل

عن الإلحاد والانتحار في رواية أخرى!

من الظواهر الملفتة في الإعلام المصري منذ سنوات طويلة، الربط الدائم بين الانتحار وقلة التدين أو الإلحاد، أو بين الإلحاد والمشكلات والأمراض النفسية، دون الاحتكام لأدنى معايير البحث العلمي، ما يضيف للعقل الجمعي المصري ظلالا من الغموض والتطرف تجاه فهم دوافع الملحدين الحقيقية للابتعاد عن الأديان، وإيجاد حلول أكثر موضوعية، بدلا من دفع آخرين إلى نفس الطريق. 

وهنا في هذه الزاوية منعا للمزايدة، لا نشجع على الإلحاد ولا نؤيده، بل ندعو إلى طرق أكثر عقلانية وعلمية في فهم القضية، ناهيك عن أن التركيز بهذه الطريقة الملفتة والإصرار على إقامة محاكم تفتيش مستمرة لمعتقدات المواطيين يلقي بأشواك إضافية في طريق إقامة الدولة المدنية والديمقراطية التي تشترط في أهم ثوابتها ضميرًا حرًا، وحرية فردية في الإيمان من عدمه!

الانتحار والتدين

وتكمن المشكلة في تسويق بعض الصحفيين والإعلاميين عددًا من الدراسات الانتقائية التي تنحاز إلى وجهات نظرهم في الربط بين الإلحاد وتزايد حالات الانتحار، واعتبارها حقيقة مطلقة في العالم كله، وهو طرح غير أمين، إذ ربما يتناسب مع بيئة ما دون غيرها، لكن الأمانة العلمية تقتضى الاعتراف بأن قضية الانتحار أزمة عالمية، والربط بين التدين ومعدلات الانتحار جزء وليس كل، وحتى هذا الجزء محل نزاع بين الباحثين في العالم كله.  

لماذا؟ لأنه مثلما تتزايد معدلات الربط بين الانتحار وقلة التدين أو الإلحاد في بعض البلدان التي تعطي أهمية كبرى للدين في الحياة العامة، تمضي القضية في اتجاه معكوس تمامًا في بلدان آخرى تحيا وتزدهر بالثقافة العلمانية، وهناك دراسات أجريت على شعوب بعض دول أوروبا الغربية مثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا، ودول شرق أسيا ـ الصين وكوريا الشمالية ـ وأكدت أن معدلات الانتحار جزء منها مرتبط بالتدين وليس العكس. 

في أمريكا التي خرج منها دراسات تتحدث عن الربط بين عدم التدين والإلحاد، أنتجت دراسات في اتجاه مختلف، منها دراسة صدرت عام 2015 ترى أن أحد أهم أسباب تزايد حالات الانتحار بين الأطفال والمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و19 عامًا «المعتقدات الدينية للوالدين» وهو طرح ملفت وجدير بالبحث لمن يريد نقاشا أمينا وموضوعيا للقضية التي يركز العالم على معالجة مختلف أسبابها، من فقر، وتنشة اجتماعية، وعنصرية، وتمييز، ومخدرات، وانعدام الفرص، وليس التدين والإلحاد فقط !

ماذا نفهم من ذلك؟ 

قضية الانتحار تمثل إشكالية للعالم ومطلوب التعامل معها بكل شفافية وموضوعية، لكن في الوقت نفسه يجب أن لاننسى ونحن نبحث عن أسباب الانتحار، أن البشرية توصلت منذ قرون إلى أهمية الاحتكام للقيم الإنسانية، التي تسمح للجميع بالعيش معًا، فالإنسانية واحدة طوال التاريخ البشري، والتدين كان ولايزال جزءا منها، وكذلك عدم التدين.

 

 

يجب أيضا أن لاننسى أيضا أن تحرير الضمير وزيادة معدلات الرضا، مرهون بتمكين كل إنسان من حقه في اتخاذ المسار الذي يناسبه ويتحمل مسئوليته، ومن الاعتدال جعل قضية الدين أمرا شخصيا بين الإنسان وخالقه، وإعطاء الأولولية للتركيز على إعادة اكتشاف الأخلاق، والشراكة الإنسانية والوطنية، والإخلاص في القول والعمل، والعدالة وتكافؤ الفرص، بما يحسن شروط الحياة للجميع، مؤمنين ومتدينين وغيرهم، ويقلل من معدلات الانتحار وعدم الرضا ! 

الجريدة الرسمية