رئيس التحرير
عصام كامل

من يحمى إثيوبيا؟

يقينى أن الموقف الإثيوبي المتعنت من قضية سد النهضة، والذى يوشك أن يشغل حربا فى المنطقة، غير نابع من فراغ، وأن رفضها لكافة الحلول مبنى على مساندة خفية من "قوى كبرى" تدفعها للتمسك بوقفها المخالف لكل المواثيق الدولية، والاضرار عمدا بالامن القومى المصرى.


فلا يوجد سياسى متزن على وجه الأرض، يمكن أن يعقل أن تعلن إثيوبيا من فراغ تحديها الكامل للجميع، والإعلان منفرده و "دون حماية" عن بدء الملء الثانى للسد فى يوليو القادم، رافضة لكل التحذيرات والاقتراحات المصرية السودانية الرامية إلى إنهاء الازمة عن طريق المفاوضات والطرق الدبلوماسية، واخرها الاقتراح بتشكيل آلية رباعية من "الأمم المتحدة، والاتحاد الأوربي، والاتحاد الأفريقي، والولايات المتحدة الأمريكية" لرعاية المفاوضات.

عناد إثيوبي
ومن غير الطبيعى، أن تستمر إثيوبيا في عنادها "منفردة" ودون حماية، بعد أن احطنا العالم بأثره علما بتجاوزاتها، بعد مفاوضات ثنائية استمرت لمده 10 سنوات، ثم مفاوضات جرت برعاية "أمريكا والبنك الدولى" ثم مفاوضات "واشنطن" التى تمت برعاية أمريكية، ثم مفاوضات برعاية الإتحاد الافريقى استمرت لعام كامل، لم تحرك جميعها القضية قيد انمله.

ومن غير المنطقى أن تنسحب "إثيوبيا" من مفاوضات "واشنطن" التي تمت برعاية أمريكا والبنك الدولى، وترفض بسهولة وتبجح التوقيع على الأتفاق الذى انتهت اليه المفاوضات، دون أن يكون هناك رد فعل أمريكى منطقى تجاة ما حدث.

وليس من العقل أن تستمر "أديس أبابا" فى عنادها "دون حماية" بعد احطنا "مجلس الأمن" علما بكافة تجاوزاتها "مرتين" كانت الأولى فى أبريل الماضى من خلال "مذكرة" رسمية، ثم "شكوى رسمية" عقب تنصلها من التوقيع على ما انتهت اليه مفاوضات "واشنطن" والتى قررت الهيئة الدولية بعدها بدأ المفاوضات من جديد تحت رعاية "الإتحاد الأفريقى".

ولا يتصور عاقل، أن تستمر "إثيوبيا" فى بناء سد الكارثة "دون حماية" فى ظل صمت كل الأطراف الدولية التي شاركت فى المفاوضات كأطراف محايدة و"شهود" بمن فيه "أمريكا، والبنك الدولى، والاتحاد الافريقي" فى الوقت الذى وصلت فيه نسبه الإنشاءات فى السد إلى ما يقرب من 80%، وصل حجم الإنجاز فى الأعمال المدنية والهندسية إلى ما يزيد عن 90%.

خطورة الملء الثانى
وليس هناك منطق، يجعل "إثيوبيا" تتنصل بتلك البجاحة و"دون حماية" من كل الأحكام القانونية الوارده فى اتفاقيات وبروتوكولات صريحة، تصب جميعها فى الصالح المصرى، وتنص فى مجملها صراحة على عدم إقامة ايه مشروعات على "النيل الأزرق، ونهر السوباط، وبحيرة تانا" قد تضر بوصول المياه إلى مصر السودان، أو دون إبلاغ البلدين" وجميعها اتفاقيات وقعتها "أديس أبابا" وهى دولة "مستقلة" على عكس ما تدعيه من أن "مصر" تتمسك باتفاقيات تم توقيعها خلال "عهد الاستعمار" وأبرزها "بروتوكول روما" الذى وقع فى عام ١٨٩١، ومعاهدة عام ١٩٠٢، و"اتفاق التعاون" الذى وقعة الرئيس "مبارك" مع رئيس الوزراء الإثيوبى الأسبق "ميلس زيناوى" فى عام 1993.

وهى ذات القوى التى تدفع رئيس الوزراء الإثيوبي للاستمرار فى عناده وخداع العالم بأرقام مضلله، مثلما ادعى "كذبا" منذ أيام، "أن بلاده سوف تحجز فى الملء الثانى 13.5 مليار متر مكعبا من مياه الأمطار التى تسقط على النيل الأزرق، وأن تلك الكمية لا تعادل أكثر من 5% فقط من إجمالي مياه الأمطار، فى حين أن الملء سيكون من مياه "النيل الأزرق" ذاته، وسيحتجز نحو 28% من مياه النيل الأزرق.

الواقع يقول أن "إثيوبيا" لا تتصرف منفردة، وأن هناك قوى دولية تساندها وتدفعها إلى التسويف عن "عمد" حتى الانتهاء من تشييد وملء السد، وفرضه كأمر واقع، والدخول مع مصر والسودان فى صراع قانونى طويل الأمد، ينتهى فى أقصى حدوده إلى الخروج باتفاق يخص "سد النهضة" فقط، ويمكين "أديس أبابا" من البدء في بناء سدود جديدة على النيل الأزرق.

إسدال الستار
القراءة الهادئة تقول، أن الوقت لم يعد فى صالحنا، وأن مصير المفاوضات التى تجرى فى الوقت الحالى فى العاصمة الكنغوليه "كينشاسا" سوف تنتهى إلى ذات مصير كل المفاوضات التى بدأت من عام 2011 وستستمر "إثيوبيا" على عنادها، وستبدأ فى الملء الثانى للسد بشكل منفرد فى يوليو القادم، استنادا إلى قوى دولية تحميها فى الخفاء، غير أن هذا ان حدث، فسيكون بمثابة إسدال الستار عن القضية، لان السد سيتحول فى تلك الحاله إلى "قنبلة موقوته" يصعب على مصر والسودان المساس به.

خطورة الموقف تفرض علينا عدم الاستمرار فى اضاعة ما تبقى من أيام بعد مفاوضات "كينشاسا" والإعلان على الفور الانسحاب من "إعلان المبادئ" الذى تم توقيعه فى مارس 2015، والعودة فى خطوة أخيرة إلى "مجلس الأمن" لوضعة فى هذه المرة أمام مسئولياته فى "حماية الأمن والسلم الدوليين بالمنطقة" استنادا للدور الذى حدده له "ميثاق الأمم المتحدة" والذي يخول له بموجب أحكام الفصل السادس، امكانية إلزام "أديس أبابا" بوقف البناء والملء، وعدم اتخاذ اي إجراء أحادي سوى بعد التوقيع على اتفاق قانونى شامل وملزم.
وإذا فشل "مجلس الأمن" فى انصافنا يكون لكل حدث حديث.. وكفى.
الجريدة الرسمية