رئيس التحرير
عصام كامل

مؤامرة صندوق النقد على بنك الاستثمار القومي

منذ أيام قليلة أعلن البنك الأهلي عن استحواذه على شهادات الاستثمار المملوكة لبنك الاستثمار القومي بكافة أنواعها المختلفة، وضمها إلى منتجاته؛ بما يعني أن بنك الاستثمار القومي قد باع شهادات الاستثمار التابعة له للبنك الأهلي، وبلغ رصيد صافي مبيعات الشهادات بأنواعها (أ، ب، ج) أكثر من 435 مليار جنيه بنهاية ديسمبر 2020. وكان بنك الاستثمار القومي يبيع هذه الشهادات في فروع البنك الأهلي نظرًا، لعدم وجود فروع له.


والسؤال لماذا باع بنك الاستثمار القومي شهادات الاستثمار للبنك الأهلي؟ وتأتي الإجابة من بعض المصادر لتؤكد أن ذلك تم في إطار أمر من صندوق النقد الدولي الذي لا يترك شاردة أو واردة في مصر إلا ويتدخل فيها، ويفرض فيها رأيه وأوامره وفق مصالحه ومصالح الدول التي تهيمن عليه وأبرزها بالطبع إسرائيل وأمريكا؛ بما يعني في النهاية أنه قبل أن يحقق مصالح مصر التي يعيد صياغة بعض أنظمتها، يحقق بالقطع مصالح إسرائيل وأمريكا في مصر أولا..

فخطوة بيع شهادات الاستثمار للبنك الأهلي تأتي ضمن خطة تستهدف إعادة هيكلة بنك الاستثمار القومي من وجهة نظر صندوق النقد الدولي، وضمن تعهدات الحكومة المصرية لصندوق النقد الدولي، للحصول على قرض بقيمة 5.2 مليار دولار لمدة عام.

أسعار الفائدة وجريمة توظيف الأموال

وقالت بعض المصادر إن بنك الاستثمار القومي وضع خطة واضحة لإعادة هيكلته، وتعديل قانونه، وضبط هيكله المالي، والانتهاء من محفظة الديون المتعثرة، واستغلال الأصول المملوكة له حتى تتمكن الحكومة من وضعه على الطريق الصحيح، كلام جميل لكن أين كان كل ذلك التخطيط قبل أمر صندوق النقد الدولي؟ وهل خفي على الحكومة والمسئولين أحوال بنك الاستثمار القومي وكانوا يظنون أنه ناجح قبل تدخل صندوق النقد الدولي وامره بهيكلة البنك أو تصفيته؟ 

والحقيقة أن الحكومة لا شأن لها بذلك، وإنما الشأن كله لصندوق النقد الدولي الذي يملي ما يراه في صالح إسرائيل. ووفقًا لوثائق المراجعة الأولى لبرنامج مصر الذي أتاحها صندوق النقد على موقعه الإلكتروني خلال شهر يناير الماضي فإن مصر تعهدت بتطوير خطة لإصلاح بنك الاستثمار القومي بموافقة رئيس الوزراء في نهاية يناير الماضي، ولا أعلم بما نفسر عبارة تعهد مصر لجهة أجنبية بإصلاح جهة مصرية خالصة؟!

ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تتضمن خطة الإصلاح مراجعة العمل في البنك والهيكل المالي والجدول الزمني لتطويره، والجهود المبذولة لإعادة هيكلة الميزانية العمومية للبنك من خلال بيع الأصول ومبادلة الأصول أو الأراضي، انظر وتأمل البنك يفرض بيع الأصول لأي جهة مصرية لها شأنها في الاقتصاد المصرى وليس على الحكومة سوى السمع والطاعة في نظير قرض سوف تسدده الحكومة وهي من حقها ذلك القرض لأن مصر من ضمن أعضاء ذلك الصندوق، هل يبلغ بالحكومة الضعف لقبول أوامر صندوق النقد الدولي دون حتى أبداء اعتراض؟

لو كانت الحكومة وجهاز الاستشاريين المصريين الذي ارتأى هيكلة بنك الاستثمار القومي لكان الأمر مفهوما، أما أن يكون صندوق النقد الدولي هو الذي يأمر بذلك في سبيل منحه القرض فهذا ما لا يكون مفهوما ولا مبررا، فالتجربة العالمية والمصرية أثبتت أن صندوق النقد الدولي ما وضع قدمه في بلد إلا وحل بها الخراب الاقتصادي، وتجربة البرازيل واليونان ليست ببعيد عنا..

وليس أدل على ذلك من القرض الذي منحه الصندوق لكل من مصر والعراق في منتصف تسعينيات القرن الماضي، حينما فرض "روشتة" للإصلاح الاقتصادي تتضمن خصخصة القطاع العام، وكانت النتيجة -بخلاف الفساد- هي تزايد البطالة والفقر، بعد خسارة أعداد كبيرة من المواطنين لوظائفهم في كلا البلدين.

صندوق النقد الدولي، الذي تسهم الولايات المتحدة الأمريكية، بالنصيب الأكبر فيه، حيث تبلغ حصتها نحو 17.6% من إجمالي الحصص، كان لعنة على بعض الدول ولعل أبرز هذه الدول كانت اليونان والبرازيل وغانا وزامبيا وتركيا، على الرغم من أن بعض هذه الدول أصبحت كيانات اقتصادية محترمة في الوقت الراهن، لكنها عندما اقترضت من الصندوق، تسببت في كوارث كبرى. فالبرازيل على سبيل المثال، مع بداية الثمانينيات، اقترضت من الصندوق، وبالفعل نفذت شروطه، اعتقاداً في الوصول إلى حل لأزمتها الاقتصادية، ولكن ما لم يكن بالحسبان هو أن هذه الشروط أدت إلى تسريح ملايين العمال، وخفض أجور باقي العاملين، بخلاف إلغاء دعم طلاب المدارس. ووصل الأمر إلى تدخل دول أخرى في السياسات الداخلية للبرازيل، وفرض البنك الدولي على الدولة أن تضيف إلى دستورها مجموعة من المواد، تسببت في اشتعال الأوضاع السياسية الداخلية.

الهندي بـ 1.5 والتركي بـ2 والمصري بـ 4 دولارات

وما دام صندوق النقد الدولي هو الذي أمر بهيكلة بنك الاستثمار القومي فمن المرجح أنه يكون هو الذي أمر ببيع مصنع حديد وصلب حلوان. فمن المعروف أنه في يناير 1965 تم استحداث نظام شهادات الاستثمار لأول مرة في مصر، وبموجب قانون رقم (8) لسنة 1965 الصادر عن رئيس الجمهورية في 31 مارس 1965، عهد للبنك الأهلي بإصدارها نيابة عن وزارة المالية للمساهمة في دعم الوعي الادخاري لدى المصريين، وتمويل خطة التنمية بشروط تحددها وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية بناء على عرض مجلس إدارة البنك الأهلي المصري في حينها.

واستمر البنك منذ ذلك التاريخ في إصدار شهادات الاستثمار نيابة عن وزارة المالية، وقد حقق هذا الوعاء الادخاري الجديد في ذلك الوقت نجاحًا ملحوظًا. وكان رصيد صافي مبيعات الشهادات بأنواعها (أ، ب، ج) الذي تم تسجيله في ديسمبر 1972 خير دليل على مدى إقبال الشعب المصري على هذا الوعاء الادخاري الحيوي في ذلك التوقيت، حيث وصل صافي المبيعات إلى نحو 155 مليون جنيه واستمر النجاح إلى أن بلغ صافي المبيعات أكثر من 435 مليار جنيه بنهاية ديسمبر 2020.

إذا شهادات الاستثمار التي ملك لبنك الاستثمار القومي وعاء رائج وناجح جدا، فالمفترض أن يستمر ذلك النجاح الذي يصب في مصلحة الدولة والمواطن، لكن أن يأتي بنك الاستثمار ويبيع ببساطة أنجح وعاء ادخاري يمتلكه بأمر من صندوق النقد الدولي فهذا ما هو غير مفهوم ولا مقبول وإنما يأتي في مخطط لهدم كل ما حققته ثورة يوليو 1952 وكل ما هو ناجح وقيم في مصر.
الجريدة الرسمية