رئيس التحرير
عصام كامل

بروتوكولات حكماء صهيون.. خرافة أرثوذكسية صدقها المسلمون (2)

لا شفاء من الجهل إلا بالعلم، ولا مانع لخلاف المختلفين إلا سكوت الجاهل عما لا يعلم، ولا يتوقف العلماء عن الإختلاف إلا إذا اتفقوا على ضبط المصلحات، فقد يخلتف المختلفون على أمر ما لأن كل منهم يتحدث عن أمر مغاير لما يظنه صاحبه، ولو أنهم اتفقوا على تعريفات محددة لكل مصطلح لقتلوا الجدال في مهده.


لذا صار واجبا علينا قبل الخوض في تحليل ظاهرة نظرية المؤامرة وآثارها في عقول المصريين أن نضبط المصطلح الأهم في حديثنا وهو نظرية المؤامرة، التي يمكن تعريفها بأنها «تفسير حدث أو مجموعة أحداث اعتمادا على مؤامرة لا مبرر لها، تقف ورائها "جهة ما"، وذلك استنادا على افتراضات تتناقض مع الفهم التاريخي السائد، بل وتتناقض أحيانا مع البديهيات»، وهذا التعريف يوضح أن نظرية المؤامرة لدى معتنقيها هي «مسألة إيمان بلا دليل».

والناظر لجميع نظريات المؤامرة التي استولت على العقل الجمعي المصري لن تجد نظرية تنافس في قوتها ما يطلق علي بروتوكولات حكماء صهيون، وهي من أنماط نظرية المؤامرة الذي يطلق عليه المؤامرة الفائقة التي يتم فيها الربط بين مؤامرات مزعومة متسلسلة هرميا، وفي قمة الهرم قوة شريرة بعيدة لكنها فائقة القوى لدرجة أنها تتحكم في مجريات الأمور بدقة مبهرة.

بروتوكولات حكماء صهيون.. خرافة أرثوذكسية صدقها المسلمون (1)

واستكمالا لضبط المصطلحات نجد أن كلمة بروتوكولات هي جمع كلمة بروتوكول والذي له معان عدة أبرزها التعريف القانوني الذي يقول إن البروتوكول هو الأصول أو القواعد التي يرجع إليها الأطراف عند الاختلاف في تفسير ما اتفق عليه عدد من الأشخاص، ولكن المعنى المقصود هنا هو محاضر مؤتمر سياسي، أي محاضر اجتماع قادة اليهود في العالم.

بقي أن نوضح من هم حكماء صهيون وفق نظرية المؤامرة التي احتلت العقل الجمعي المصري؟!، فحسب الرواية التاريخية التي تستند إليها بروتوكولات حكماء صهيون فإن هولاء الحكماء هم أثرياء اليهود الذين اجتمعوا في المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في مدينة بازل السويسرية عام 1897 م تحت قيادة الصحفي اليهودي تيودور هرتزل، وهؤلاء هم الذين وضعوا ما يعرف اليوم باسم بروتوكولات حكماء صهيون بل إن هناك بعض الروايات الموغلة في الخيال التي تقول إن هرتزل تلا البروتوكولات على المجتمعين في آخر أيام المؤتمر.

ولأن نظرية المؤامرة لا تضع حدودا للعقل لأنها قائمة في الأصل على تنحية المنطق جانبا، فإن هناك رواية تقول أن ممثلي الإثنى عشر قبيلة اليهودية الذين هم نسل نبي الله يعقوب، هم من وضعوا هذه البرتوكولات في اجتماع سري ثم تم الدفع بها إلى هرتزل ليتلوها على المجتمعين في المؤتمر الصهيوني الأول.
أما الهدف الأسمى لهذه البرتوكولات فهو وضع خطة محكمة بالتعاون مع الماسونين الأحرار، أو بمعنى أدق يستخدم فيها اليهود المحافل الماسونية كأداة لتحقيق هدفهم الذي هو إقامة إمبراطورية عالمية تديرها حكومة من اليهود.

وبالطبع نجد أن هذه الفرضية لا تستند غلى ذرة واحدة من المنطق، إذ يحكي لنا التاريخ أن أعضاء المحافل الماسونية –أو من يعرفون في بعض الأدبيات العربية بإسم البناؤون الأحرار- كان من بينهم علماء عباقرة غيروا مناهج البحث، ومن بينهم ساسة أفذاذ قادوا شعوبا من الاستعمار إلى التحرر أو جمعوا شمل مدن متناحرة وجعلوا منها أمما موحدة متقدمة، فلا يعقل أن يكون هولاء مجرد «أحجار على رقعة الشطرنج» كما وصفهم الكاتب الكندي وليام جاي كار في كتابه الصادر عام 1955م، وهذا الكتاب كان أحد أسباب انتشار نظرية المؤامرة في الوطن العربي عامة ومصر خاصة.

هوس الطاقة.. الوثنية تبعث من جديد

الماسونية أو البناؤون الأحرار هي منظمة أخوية عالمية يتشارك أفرادها عقائد وأفكار واحدة فيما يخص الأخلاق، الميتافيزيقيا وتفسير الكون والحياة والإيمان بخالق (إله)، ولأن هذه المنظمة تتصف بالسرية والغموض الشديدين خاصةً في شعائرها، كانت هدفا سهلا لأصحاب نظرية المؤامرة أن يجعلوها الأداة التي يستخدمها اليهود في إقامة حكومة العالم الخفية كما وصفها الروسي شيريب سبيريدوفيتش، الكونت الموالي للقيصر الروسي الذي كان يعد راعي الكنيسة الأرثوذكسية الروسية.

أما بروتوكولات حكماء صهيون لو أردنا ان نضع تعريفا مختصرا لها فلن نجد خير من إنها وثيقة مزيفة، تتحدث عن خطة لغزو العالم من قبل اليهود وهي تتضمن 24 بروتوكولاً. في عام 1901 كتب هذه الوثيقة ماثي جولوڤينسكى وهو مزور ومخبر من الشرطة السياسية القيصرية وكانت مستوحاة من كتاب حوار في الجحيم بين مونتسكيو وميكافيلي..
الجريدة الرسمية