رئيس التحرير
عصام كامل

الثورة ليست بضاعتنا

الثورة مصطلح دخيل على أسس وثوابت مجتمعاتنا العربية، الثورة كلمة مضادة لكلمة الاستقرار ومرادفة لكلمة الفوضى، ويشهد الله ما أكتبه ليس من باب تملق رئيس أو التقرب زلفى لنظام، ولكن ما أكتبه في هذا المقال قناعة ذاتية ووجهة نظر شخصية، فالثورة على ما هو متعارف عليه في شعوبنا العربية والإسلامية، سواء عن قصد أو بدون قصد تؤدي لحالة من الفوضى أو الفتنة، والثورة في التاريخ الإسلام السياسي كانت مقرونة باستخدام السلاح في الغالب الأعم..


حتى أن علماءنا الأجلاء عندما أجازوا الثورة جعلوا لها ضوابط وشروطا غير متوفرة البتة في عصرنا الحالي، لأسباب منها أن الثورة عند الشعوب العربية اليوم هي ثورة صناعة غربية ودخيلة على أدبياتنا العربية والإسلامية، حيث اشترط العلماء أن تكون الثورة تحت قيادة إمام ثائر وأن يوجد بديل جاهز ليحل محل النظام بعد الثورة، هنا أقول إن بعض العلماء الذين أجازوا الثورة اشترطوا هذه الشروط. 
وفي مقابل وجهة النظر المؤيدة للثورة، هناك وجهة نظر رافضة أو متحفظة على فعل الثورة..

تجديد الخطاب الديني.. ضرورة عصرية

عبر عنها الإمامان ابن حنبل وابن تيمية. فالإمام أحمد وأهل الحديث رفضوا سبيل الثورة مطلقا ، لأنهم رجحوا إيجابيات النظام الجائر على سلبيات الثورة؛ فقالوا : إن السيف (العنف) باطل، فالإمام قد يكون عادلاً ويكون غير عادل، وليس لنا إزالته حتى وإن كان فاسقاً، ومن أقوال ابن تيمية: (ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان)

والدليل أيضا من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم أن الثورة مقرونة بالقتل والعنف، ففي واقعة إختلاف الأوس والخزرج تقول الرواية، فثارا الحيان أي (الأوس والخزرج) حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله يخفضهم حتى سكتوا وسكت، ففهم من هذه الرواية أن عندما ثارا الأوس والخزرج توقع لهم الاقتتال وهو استخدام السلاح، وفي الحديث الذي يرويه مرة البهزي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم متنبئاً بفتنة عهد عثمان بن عفان: كيف في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي (قرون) ، وهنا أيضا استخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة تثور لأن في فتنة عثمان كانت ثورتهم بالقتل واغتيال خليفة المسلمين..

وقد شهد التاريخ الاسلامي كثيراً من الثورات وحالات الخروج على الإمام أو الحاكم، فعندما ثار المسلمون على حكامهم حدثت الفتنة لا محالة ، وأول من ابتدع هذه البدعة وهي بدعة الخروج على الحكام ، كانوا الخوارج وخروجهم على عثمان وقتلهم ، والفتنة الكبرى كانت في عهد علي بن أبي طالب على أيدي الخوارج أيضا ، وثورة الحسين وثورة الزبير، وثورة الزنج وثورة القرامطة وغيرها من الثورات على مر عصور التاريخ الإسلامي، وكانت هذه الثورات تؤدي لاقتتال، بل ولمجازر بشعة أساءت كثيراً للمسلمين وتاريخهم. 

الشيخ بن تيمية.. كان داعما للدولة وجيشها

والغريب في الأمر أن لأصحاب هذه الثورات مبررات يعتبرونها شرعية ومنطقية،  فالخوارج الذين برروا وشرعنوا ثورتهم على الأمويين، لأنهم رأوا أن الأمويين، خرجوا عن فلسفة الشورى! والمعتزلة وإن كانوا أجازوا الثورة على الحاكم الظالم، ولكنهم مع ذلك إشترطوا (التمكين) قبل القيام بالثورة، حتى لا تؤدي هذه الأخيرة لحالة من الفوضى أو الفتنة، كما اشترطوا وجود الإمام الثائر وأن يوجد بديل جاهز ليحل محل النظام بعد الثورة.

والخلاصة فكلمة ثورة لم ترد في القرآن بالمعنى السياسي والاجتماعي المتداول اليوم، بل وردت بمعنى الانقلاب في الأوضاع أو في الواقع القائم. فثورة الأرض وتثويرها يعني قلبها بالحرث، فبقرة بني إسرائيل كانت {لا ذلُولٌ تُثِيرُ الأَرضَ} أي لا تقلبها بالحرث.

وعليه فالثورة ضررها أكثر بكثير من نفعها ، والخسارة فيها أكبر بكثير من فوائدها وإن طريق التغيير والإصلاح لا يكون إلا بما هو مشروع ومعقول وممكن، وأن الغاية في في شرعنا لا تبرر الوسيلة، فإذا كانت الغاية شرعية فلا بد أن تكون الوسيلة شرعية.

الجريدة الرسمية