رئيس التحرير
عصام كامل

«المساجد المُفلسة».. طريق «الإخوان» لتوسيع شبكة التنظيم بالعالم.. التمويل «قطري – تركي».. وأوروبا تحذر من «توحش الجماعة»

شعار جماعة الإخوان
شعار جماعة الإخوان ..صورة أرشيفية

«مصائب كورونا عند الإخوان فوائد».. الوصف الأدق الذي يمكن من خلاله الانطلاق إلى تفاصيل مرعبة تكشف حجم المؤامرة الإخوانية ليس على البلدان والمنطقة العربية فقط، ولكن على العالم بأسره، وتحديدًا تلك الدول التي توجد بها مساجد تأثرت سلبيًا بعد انتشار وتفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد – 19)، والتي وصل حال بعضها إلى إعلان إفلاسه.

 

وذلك على خلفية قرارات إغلاق دور العبادة التي نفذتها الدول في إطار الإجراءات الوقائية والاحترازية لمواجهة «كورونا»، وكانت العديد من المساجد تعرضت لأزمات عدة، وكتبت العديد من الصحف الأوروبية مثل «ديلي نيوز» ‏تقارير تؤكد أن المساجد وخاصة التي كانت تعتمد على التبرعات من صلاة الجمعة أعلنت إفلاسها، بعد ‏أن فقدت مصدر دخلها الوحيد بعد أشهر من إغلاق دور العبادة خوفا من تفشي فيروس كورونا ‏المستجد. ‏


البحث خلف التقارير الأوروبية، لمعرفة كيف ذهبت جماعة الإخوان الإرهابية، إلى كل هذه المساجد، يكشف مباشرة أن أحد ‏أهم أدوار اللجان الإلكترونية التي تزحف على وسائل الإعلام للدفاع عن القضية الإخوانية بعدة لغات، ‏تلتقط كل الدعوات والمناشدات التي تطلق على الإنترنت من مدونون ونشطاء في المجال الديني، لحث ‏المسلمين على التبرع للمساجد التي تعاني من أزمات طاحنة وأفلست أو على وشك إعلان إفلاسها. ‏


أحد المساجد الشهيرة التي استطاعت الجماعة السيطرة عليهامؤخرًا مسجد دار السلام بحي نويكولن ‏الشهير في العاصمة الألمانية برلين، الذي لم يستطع القائمين عليه جمع المال المطلوب لإنقاذ المسجد رغم إطلاقهم حملة ‏كبرى على الإنترنت، ولم تفلح التبرعات، في دفع إيجار الأرض لمالكها، وكان يواجه شبح سحبها وهدم ‏المسجد وتغيير نشاط الأرض تماما.

 

كان المسجد الألماني بحسب إمامه محمد طه صبري، في حاجة إلى 7000 يورو شهريا لدفع فواتيره، ومن ‏النصف إلى ثلثي هذا المبلغ كان يتم تغطيته على مدار العام من تبرعات شهر رمضان، لكن بسبب ‏الفيروس فقد المسجد هذه الميزة، بعدما أغلقت المساجد في شهر الصيام، كما لم يُغير المتبرعين في ‏المقابل من الطريقة التي يتبرعون بها، رغم الحظر والمحاصرة بفعل الفيروس.


‏يذكر هنا أن الدول الأوروبية لجأت منذ بداية انتشار الفيروس القاتل إلى غلق المساجد والكنائس والمعابد اليهودية، لإبطاء ‏إنتشار كوورنا، ولكن المساجد بوجه خاص، هي أكثر بيوت العبادة التي تعرضت إلى مشكلة كبرى ‏بسبب عدم وجود تمويل كاف، فضلا عن أنها لا تستفيد من أموال المساعدات التي تضخها البلدان ‏الأوروبية لمساعدة الكنائس المسيحية، في حين تتولى المنظمات واللوبيات اليهودية الغنية الصرف على ‏المعابد والاعتناء بها. ‏

 

لعبة الإخوان


الجماعة في البداية قررت اللعب من بعيد، ودفعت المجلس الإسلامي من خلال رجالها فيه، والذي يضم نحو 400 ‏مسجدًا تحت سيطرته، إلى تقديم طلبات عاجلة للحكومات لحثها على تقديم مساعدة مالية للمساجد للتغلب ‏على تداعيات كورونا، حتى لا تواجه شبح الإفلاس بالفعل في مثل هذه الظروف القهرية.

 

وكان التنظيم يعلم جيدا صعوبة موافقة الحكومات الغربية على التبرع لإبقاء المساجد، ولكنها حاولت ‏إغلاق الأبواب أمام أي أعتراض لاحق على تحكمها في المساجد المتعثرة أو استخدامها لترويج أنشطتها ‏والداعمين لها بطريقة أو بآخرى، بعد تمويلها لهم، وتراجع التنظيم عن طريقته القديمة للتدخل مباشرة ودون أي إجراءات للتمويه كما جرت العادة، ولكن ما ‏وجده من دولة مثل هولندا والضربة القاسية التي تعرض لها كانت كفيلة بإعادته حساباته، فالبرلمان لا يزال ‏يشن هجوما شرسًا عليه، وقدم بعض النواب العديد من الاستجوابات رفضا لتخاذل الحكومة في تتبع ‏الممولين الأجانب للسيطرة على المؤسسات الإسلامية المحلية. ‏

 

تمويل قطري تركي 

 

اللجان المختصة في البرلمان الهولندى أجرت تحقيقا حول الكيفية القانونية التي تسمح بضخ مثل هذه الأموال ‏الهائلة من منظمات قطرية وتركية للمراكز الدينية والمساجد، وخاصة التي تعرضت إلى أزمة مالية خلال ‏محنة كورونا، في إشارة واضحة إلى رفض محاولات الدوحة وأنقرة لإبقاء وتعزيز سيطرة الإخوان ‏المسلمين على كل ما يتعلق بالشأن الديني.

 

ومن ثم تمكينهم سياسيا في وقت لاحق، واستمر عمل اللجان طوال الأشهر الماضية بحسب تصريح للنائب ميشيل روج، ولكنها خرجت بنتيجة ‏وصفها البرلماني المخضرم بالنتائج التي تعطيهم سببًا للقلق على مستقبل البلاد من توحش الإخوان ‏وتمددها في كل أنحاء القارة الأوروبية، بدعم قطري وتركي، وليس في هولندا فقط. ‏


يمكن القول إن الإخوان بحسب مصادر ـ نشطت بقوة خلال الأشهر الماضية، لضخ عشرات الملايين ‏من الدولارات في جميع أنحاء القارة العجوز، ووضعت هذه الأموال في خدمة الخطة الجديدة التي تسعى ‏لتمكين الجماعة من المساجد التي تتعرض للانهيار بسبب مشكلات مادية.

 

سيطرة الجماعة

 

وإلى حد كبير، نجح الإخوان في السيطرة على مؤسسات إسلامية ضخمة، على شاكلة المسجد الأزرق في ‏أمستردام ومركز السلام الإسلامي الثقافي في روتردام، بجانب مساجد في ألمانيا وبريطانيا، وفى نفس السياق تقاتل قطر وتركيا، لإنقاذ المساجد المتعثرة ماليا، باعتبارها دوافع إستراتيجية لتمكين الإخوان من ‏ممارسة أنشتطها.

 

وبالتالي خلق نفوذ غير مباشر لهذه البلدان، حيث أصبحت كل من الدوحة وأنقرة يعتبران ‏التنظيم أحد أهم أدوات قوتهم الناعمة، التي تضمن لهما السيطرة على كل ما هو متعلق بالثقافة الإسلامية ‏في العالم أجمع وليس المنطقة العربية فقط. ‏


ما يحدث الآن من الإخوان يعتبره لورينزو فيدينو، الباحث المتخصص في شئون الإخوان، مدير برنامج ‏التطرف في جامعة جورج واشنطن، محاولة لتعزيز أفكار الإخوان التي تسبب الخلاف وتدفع ‏عقلية «نحن وهم» بين المتلقين، للأمام من جديد، سواء بينهم وبين المسلمين الرافضين لأفكارهم، أو ‏بين التنظيم وبين البلدان الغربية.

 

وأكد مدير برنامج التطرف، أن المانحين والداعمين للإخوان يعرفون جيدًا هوية من سيقبلون أموالهم ‏وشروطهم في كل دولة أوروبية، ويوضح أن القائمين على هذه المساجد وبمجرد قبول التمويل، ‏يصبحون هم ومساجدهم جزءا من شبكة اتصالات عالمية للإخوان، وهذه الأموال الوفيرة لكيانات الإخوان تمكنهم من شراء ممتلكات كبيرة وتنظيم أنشطة ‏واسعة النطاق تجتذب مساحات كبيرة من الجالية المسلمة بما يتجاوز نطاق الإخوان الإيديولوجي، وهو ‏سر اندفاعهم مؤخرا للسيطرة على المساجد المتعثرة، حتى لو لم تخضع للشبكة الخاصة بهم والتي ‏تتغلغل في كل أنحاء أوروبا. ‏

 

النفوذ التركي


ما قاله الباحث المتخصص في شئون الإخوان، يؤكد أن العالم أصبح ينظر إلى الجماعة باعتبارها الذراع ‏الدينية للدولة التركية، والتي تحاول أنقرة من خلالها خلق نفوذ سياسي قوي على بلدان العالم المختلفة، ‏خاصة أن الأمر تعدى المساجد إلى الخطباء، الذين ترعاهم الدولة التركية وتوفر لهم كل شيء، مقابل ‏الدعاء لها على المنابر، والترويج إلى أفكارها وسياساتها في العالم. ‏


ما يخيف العالم الغرب أكثر من مثل هذه التحركات، أن تركيا ومن خلفها قطر، أصبحتا لا تضعان اعتبارا ‏للعلاقات الرسمية الدولية، والاتصال الحكومي الرسمي، وتفضلان على ذلك استخدام مجموعة واسعة ‏من المؤسسات ذات الصبغة الإسلامية، للوصول إلى أهدافهما، وما يهتمان به فقط أصبح مقتصرا على ‏التواصل المؤسسي، وكيفية إدخال أكبر قدر ممكن من الأفلام والمسلسلات التليفزيونية التركية التاريخية ‏وبثها على القنوات والمواقع وهي طريقة تركيا الخاصة الآن لنقل أفكارها وقناعاتها، إلى المسلمين في ‏كل أنحاء العالم.


تركز تركيا ومن خلفها قطر على استخدام الإخوان في إيجاد صلة قوية للمسلمين بالدولة التركية، حتى ‏تصبح المعبر الوحيد عنهم في كل أنحاء العالم، وخطة مثل الاستحواذ على المساجد التي تعرضت ‏للإفلاس تخلق هذا وأكثر بحسب التوقعات التركية، خاصة أن هناك مؤسسات دينية تضم منظمات مالية ‏توفر رواتب للمهاجرين المسلمين من كل أنحاء العالم، كما ترعى هذه المؤسسات العديد من مدارس التي ‏يمكن توجييها لخدمة الأيدلوجية التركية، وذرعها في النشئ لخلق أجيال جديدة مدينة بالولاء للتاج ‏العثماني. ‏
‏ ‏

نقلًا عن العدد الورقي...،

الجريدة الرسمية