رئيس التحرير
عصام كامل

كشف البلاء(4)

قد يشغل الإنسان نفسه في زمن البلاء بما لا ينفعه من التفكير في علل بعيدة لا يدركها عقله، ولا يهتدي إليها تفكيره، والأولى للعاقل والأجدر أن يشغل نفسه بما يجب عليه، وقد صرَّحت آيات القرآن الكريم وأحاديثُ النَّبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بهذا الواجب، وبما يكشف الكرب، ويزيل الهم، ويقضي على البلاء، ويعجِّل بالفرج، ومن ذلك:

 

(4) الدعاء بتضرُّع وإلحاح:

الدعاءُ مِن أقوى الأدوية لدفع البلاء، والقرآن والسُّنَّة يؤيِّدان هذا ويؤكِّدانه، فعن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يردُّ القضاءَ إلَّا الدُّعاءُ» بل إنَّ الدُّعاء يَنفع فيما نزَل وفيما لم ينزِل من البلاء، هكذا قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «الدُّعاءُ يَنفع ممَّا نزَل، ومما لم ينزِل؛ فعليكم عبادَ الله بالدُّعاء»

 

ومن الأمثلة التَّطبيقيَّة العمليَّة ما صحَّ أنَّ أعرابيًّا جاء النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يومَ الجمعة وهو على المِنبر، فشَكا له القحطَ والجدْبَ وقلَّةَ المطَر، فدعا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فنزَل المطرُ من ساعته، فلمَّا جاءت الجمعةُ الأخرى أتي الأعرابيُّ نفسه -والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم- على المنبر فشكا له كثرةَ المطَر وخوفَ الغرق والتَّلَف، فدعا النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فأمسكت السَّماء.

 

اقرأ أيضا: كشف البلاء (1)

 

ولما كان الدُّعاء بهذه المنزلة العالية حرص النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عليه، وعلَّمه أمَّته؛ ابتداءً من استيقاظ المسلم، وانتهاءً بعودته إلى فِراشه للنَّوم، وهو في دورة من الدُّعاء لا تَنتهي؛ ليَدفع بذلك ما نزَل وينزِل من البلاء، وكان يقول عليه الصَّلاة والسَّلام: «مَن لم يَسأل اللهَ تعالى، يَغضب عليه»، ويقول: «إنَّ اللهَ تعالى حيِيٌّ كريمٌ، يَستحيي إذا رفَع الرجلُ إليه يدَيه أن يردَّهما صفرًا خائبتين»، ويقول: «ليس شيء أكرَمَ على الله تعالى من الدُّعاء»

 

والدُّعاء من أنفع الأدوية، فهو عدوُّ البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنعُ نزولَه، ولكن قد يتخلَّف أثرُه عنه؛ إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاءً لا يحبُّه الله؛ لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله، وإما لحصولِ مانعٍ من الإجابة؛ من أكل الحرام، والظلم، واستيلاء الغفلة واللهو على القلب، أو يستعجل الدعاء ويستبطئ الإجابة فيدعُ الدُّعاء..

 

فإذا جمع الدعاءُ حضورَ القلب وجمعيَّته بكليَّتِه على المطلوب، وصادف وقتًا مِن أوقات الإجابة، وصادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الرَّبِّ، وذلًّا له، وتضرُّعًا ورقةً، واستقبل الداعي القِبلة، وكان على طهارةٍ، ورفع يدَيْه إلى الله تعالى، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنَّى بالصَّلاة على عبدِه ورسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثم قدَّم بين يدَي حاجتِه التوبةَ والاستغفار..

 

اقرأ أيضا: الدكتور حسام موافي: جبر الخواطر أفضل عبادة تقرب العبد من الله

 

ثم ألحَّ عليه في المسألة، ودعاه رغبةً ورهبةً، وتوسَّل إليه بأسمائه وصفاته، وقدَّم بين دعائه صدقةً - فإنَّ هذا الدُّعاء لا يكاد يُرَدُّ أبدًا، ولا سيما إن صادف الأدعيةَ الَّتي أخبر النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنها مَظِنَّةُ الإجابة، أو أنها متضمِّنة للاسم الأعظم.

 

ادعوا ربَّكم: «اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ منَ البرصِ والجنونِ والجذامِ ومن سيِّئِ الأسقامِ»، «اللهمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ»، «اللهمَّ إني أعوذ بك من عضال الدَّاء، وأعوذ بك من خيبة الرَّجاء، وأعوذ بك من السَّلب بعد العطاء، وأعوذ بك من شماتة الأعداء»

الجريدة الرسمية