الجامعة بين الكتاتيب المصرية وحصير القش الصيني
طالما شغلتني هيبة ومكانة المعلم الشيخ العالم، وكم افتننت بسيرة علماء حضارتنا العربية والإسلامية، وفي القلب الحضارة المصرية بالطبع وعن طرق تعليمها وتلقينها العلم لطلابها تحت ظلال شجر الجميز والصفصاف على ضفة النيل، وكم ذهبت لأبعد من ذلك لأراني طالبا جالسا القرفصاء عاري الصدر، وعلى فخذيه وبين يديه ورق البردي؛ ليدون ما يقوله الكاتب المصري القديم.
لا أعرف حينها كيف ربطت في خيالي جلستي تحت ظلال شجرة المشمش على حافة النهر الأصفر في الصين، جالسا كراهب صغير على حصير القش يتلقى العلم بين يدي معلمه الحكيم، وكم أغواني تقليد العلماء والكتاب القدماء في صغري؛ فكثيرا ما أجلس عاري الصدر أقرأ أو أدرس أو أكتب، وافتننت بهيئة حكماء الصين بالشعر الطويل واللحية المبعثرة والحواجب الكثيفة وتجاعيد الحكمة المنحوتة على بشرتهم.
ما كنت أتخيل يوما أني سوف أصبح معلما بين جامعات الشرق الأوسط والأقصي، وأجلس على مقاعد حكمائهم وعلمائهم، وأنقل أمانة العلم كما وصلتني إلى طلابي. تجربة لطيفة ومريرة للمقارنة التعليمية بين نهر إفريقيا المصري ونسله اليتيم والحزين، وبين أنهار الصين ونسلها المبهج المحظوظ.
تنقلت من مقاعد جامعة القاهرة إلى جامعة شيآن للدراسات الدولية بالصين، مرورا بجامعات كوريا والجامعات الآسيوية. رأيت وشاهدت وعشت فصولا دراسية تحمل ما في فصول السنة من زهور ونسمات رعد وبرق وثلج وفيضانات وإعصارات. تقلبات وراء تقلبات. لكن المنعش فيها كانت رحلة الصين، قصيرة في حد ذاتها وعريضة في حكمتها، وواسعة في عيون الطلاب المتطلعة لي وكأني أخ أكبر وأب عظيم.
في كل هذه الأحوال جلست على مقعد حكماء الصين في جامعة شيآن للدراسات الدولية، وكانت مفاجأتي في أول محاضرة التي أربكتني من عدد الطلاب المتخطى مائتي طالب على وجه التقريب، هذا غير هيئة المدرج العتيقة، وكأني في جامعة القاهرة بطراز مدرجاتها السحيقة، وكثرة طلابها في القسم العربي.
وفي الحقيقة قد أخذت الصدمة من قبل عندما عرفت مساقات التدريس التي سأقوم بتعليمها للطلاب، وهي تقريبا وبلا مبالغة تصل إلى كل مناهج تدريس اللغة العربية وآدابها، وكأني الأستاذ الوحيد الجامع في كل هذه التخصصات!
وهنا بدت عليّ نفس ملامح ودهشة "عوكل" الشخصية الطموحة لسمكري ميكانيكا في الفيلم المصري للفنان المبدع "محمد سعد"، عندما راوغه طموحه، ليكون نجما سينيمائيا، وفي اللحظة الحاسمة في أهم مشهد صاح المخرج في المساعدين بتجهيز "عوكل" لدور عسكري إنجليزي وأن يعطوه السلاح، فقام المساعدون بإعطائه كل الأسلحة في المشهد، فصرخ "عوكل" في المخرج:"هو أنا هحارب لوحدي"، وهي نفس الجملة التي قلتها للمساعدة بالقسم عندما أعطتني الجدول!
لكني تذكرت أحلام الصبا في تقليدي للعلماء، وعلى الفور تقمصت أساتذتي في جامعة القاهرة، واستحضرت روح الدكتور سيد حنفي في الأدب الجاهلي وهو يحاضرنا وكأنه على هودج جمل في سوق عكاظ، وروح جابر عصفور وقفشاته السمجة على الطلاب في النقد القديم، وتمثلت رزانة وصارمة الدكتور عبد الله التطاوي في الأدب العباسي ورحلاته مع أبي علاء المعري..
وأخذت سمات سيد البحراوي وهو يشرح ويحلل الشعر والأدب الحديث في زوغان عينيه لسقف المدرج، وتقمصت شنب الدكتور خيري دومة في القصة وأزمات الراوي، وبكل عمق تقمصت حسن حنفي في نقد الفلسفة والثقافة الإسلامية، وبالطبع تلمست هيئة نصر حامد أبو زيد في البلاغة العربية وأسرارها ودلائل إعجازها في (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا).
وفي علم اللغة حاولت أن أتلفسف مثل نجم الأساتذة الدكتور فهمي حجازي وتوضيح الفذلكة الأكاديمية في التفريق بين (علم اللغة أم علم اللسان)، وعلى الرغم من أنفي وتحت ضغط عصبي بدأت في اتخاذ تقليد الدكتور عبد الحميد السيوري وهو يشرح النحو العربي على السبورة بالطبشور متحديا الطلاب في الفهم الإعرابي الصحيح لشاهد (أما العسل فأنا شراب)..
وفي نهاية وفي بعض الجوانب تقمصت شخصية الدكتور مي يوسف خليف في حينيتها وحبها للطلاب في تبسيط الأدب وفروع اللغة، ومن صعوبة المساقات على الطلاب بدأت أتعامل معهم بقلب مي الأم، وليس بعقل عبد الله الصارم، وبلا قفشات عصفور!
أضحك وأنا داخل المدرج، وأمام السبورة، وبين الطلاب حين أتذكر أني عائش في دور واحد من أساتذتي وسرعان ما أفيق لشخصيتي الأقرب في الواقع لشخصية "عوكل" في رغبته بتصليح السيارات التي أمامه. لكن لا يوجد بين يديه غير زلطتين يدقدق بهما في صاج عقول الطلاب!
هذا كان نقدي للمنهج والمساق المتبع إشفاقا على الطلاب، ولم أجد أي بديل غير أن أبتكر وسائل لتبسيط فروع اللغة والأدب، خاصة وأغلب الطلاب ليس عندهم الأساس القوي للصعود إلى مستوى هذه المساقات المعقدة التي تصعب على طلاب أبناء اللغة أنفسهم، فما بالنا بطلاب غير ناطقين بالعربية في الأساس.
لكن تلمست طرق أجدادنا في الكتاتيب وتقمصت أرواح المعلمين الأوائل تحت ظل شجرة الصفصاف والمشمش. صنعت مدخلا لأرواح الطلاب حتى يلتفوا حولي منتبهين، وبالفعل قفز بداخلي أمل وطموح"عوكل" في تصليح كل السيارات، لأصبح أشهر نجم ميكانيكا في الشرق الأوسط!
الأمر لم يكن تفردا مني على الإطلاق، إنما كان التفرد في طريقة التعليم التي تدرب عليها الطالب الصيني في الجامعة، وعلى مراحل تعليمه المختلفة، وهي وصايا تعليمية للحكيم والمعلم الأول كونفوشيوس: (ادرس هذا بمفردك، وساعد الآخرين المتعثرين في الفهم، تميزك يبدأ من تميز مجموعتك)، وبالفعل طبقت هذه الوصايا على نفسي، وكأني طالب وسط الطلاب، وكنت بينهم أساعدهم على الفهم والتميز..
لذلك رأيت الطلاب يجتهدون معي حينما رأوني أبسط لهم تعقيدات المساقات الدراسية وتحمسوا للاستماع والاستمتاع بحكايات اللغة وآدابها. بدا حماسهم بالإعجاب بأستاذهم على أنه واحد منهم، ثم بالحديث معه، وبالسؤال، والفهم، فتحققت المعادلة. طلاب استوعبوا القيمة من فكرة التعليم، وهي التواصل الروحي والمعرفي؛ فنجحوا.
وبالطبع كان للأساتذة الزملاء الصينيين الدور والمحور المتين والمشجع للطلاب وتدريبهم وتمهيدهم لمحاضراتي، وعلى ما أتذكر من هؤلاء الأساتذة بأسمائهم العربية، الدكتور "إسماعيل" الذي شاركني في البلاغة، و"يوشع" الذي شاركني في الأدب القديم والحديث، والدكتورة "نقية" رئيسة القسم التي شاركتني في الأدب المسرحي..
والدكتوة "نادية" التي شاركتني في علم اللغة، و"سودة" شاركتني في الأدب الأندلسي، و"جوهرة" في علم الإبداع والكتابة العربية، والشعر الحديث. وفوق ذلك إدارة قسم صبور، وجامعة متميزة تعمل على توفير كل وسائل الراحة والفهم والتدريس للطلاب.
وبهذا الإنجاز البسيط والمشترك، رأيت الطلاب يفهمون الصعب بطريقة أدهشتني والذين كانوا يجدون صعوبة بدأوا في الاجتهاد والمثابرة مثل طالبي "منصور"، و"شيماء" فأخيرا تمكنوا من معرفة أهم قضايا النقد العربي القديم!
نكمل في المقال القادم