عرض خيالي!
رنَّ الهاتف المحمول في الصباح. رقم أرضي يظهر على الشاشة. رددتُ بعد تردُد. الأرقام الأرضية تثير قلق أمثالي؛ لأسباب معلومة. جاء الصوت رقيقًا ناعمًا، فاستبشرت خيرًا. تحية صباحية لم تعتدها أذني اليمنى أو اليسرى منذ أبصرتُ النور. اطمأن قلبي قليلًا. الصوت النسائي يعني أن الأمر ليس جللًا كما يحدث غالبًا مع الأرقام الأرضية ومنها. توقعت للحظة أنه اتصال خاطئ!
بعد التحية الحالمة والاعتذار عن الإزعاج، قاطعتُها مستظرفًا: "طالما كان الإزعاج هكذا، فأهلًا به"، غير أنها سرعان ما بددت تلك اللحظات الاستثنائية النادرة بالإفصاح عن الغرض من المكالمة الصباحية المباغتة.
دخلت المتصلة الرقيقة في الموضوع مباشرة، دون إهدار مزيد من الوقت، فالوقت كالسيف (إن لم تظبطه ظبطّك) بصوت الليمبي، ومن المؤكد أن لديها سجلًا بأرقام أخرى سوى تتصل بأصحابها!
الهانم الصغيرة -كما يبدو من صوتها الحالم- تباغتني في الساعات الأولى من الصباح؛ لتعرض على العبد لله عرضًا مغريًا وخياليًا (على حد قولها ووصفها).
العرض المُغري يتمثل في إمكانية امتلاك شاليه بإحدى المدن السياحية بالتقسيط على اثني عشر عامًا برقم مليوني يعجز أمثالي عن كتابته حروفًا أو نطقه أرقامًا أو عدِّه نقدًا!
ما لفت نظري في المكالمة نبرة الثقة والاطمئنان والهدوء التي تتحدث بها الموظفة العقارية. أشعرتني صاحبة العرض للحظة كأني أحد نخانيخ هذا الزمان الذين صاروا (مالتي مليونيرات) على حين غفلة، فحازوا مساحات شاسعة من الأراضي، فضلًا عن الفيلات والقصور ومعارض السيارات في وصلة دهشور وغيرها من الوصلات والمحاور!
استغرقت المتصلة في تفاصيل عرضها (السخيِّ)، قبل أن تفاجئني بعرض آخر لا يختلف كثيرًا في بنوده وتفاصيله عن العرض الأول، ولكنها أرجأته إلى النهاية؛ باعتباره أكثر إغراءً وإغواءً، (ربما تكون حافظة مش فاهمة)، أو متوهمة أنها تهاتف واحدًا من نجوم الصف الأول في الرياضة أو الفن.. أو المقربين من (الأبواب العُليا)!
تمالكت أعصابي، فيما كان يمرُّ أمام شريط ذاكرتي مشهد محمد هنيدي وهو يسأل فؤاد خليل ضمن أحداث فيلم جاءنا البيان التالي عن أمنياته في العام الجديد، ولم أشأ أن أكسر بخاطر الموظفة الجادة التي تؤدي دورها الذي تقتات منه، ولم أسألها عن المصدر الذي حصلت منه على رقمي؛ فالإجابة معروفة مقدمًا؛ حيث تبيع شركات الاتصالات أرقام عملائها بالمخالفة للقانون، (وكله بالحب يمشي)!
فاتني أن أخبرك أنه بعد الدقيقة الأولى من المكالمة، لجأتُ إلى تشغيل خاصية مكبر الصوت؛ حيث كنت أستعد للنزول، ومنهمكًا في ارتداء ملابسي. وخلال الدقائق التي كانت موظفة التسويق تتحدث فيها عن عروضها المليونية، والقسط الشهري الذي يتجاوز وحدَه خمسة أضعاف دخلي الشهري على الأقل، كنت أنقب عن جوربين غير مثقوبين، حتى لو لم يكونا متماثلين؛ أستر بهما قدميَّ اللتين تمزقان الجوارب تمزيقًا، فباءت محاولاتي بالفشل!
كما لجأت إلى الثلاجة أسألها لقيماتٍ يقمن صلبي حتى أتناول علاجي، فقابلتني بأرفف خاوية وزجاجات مياه ربع ممتلئة؛ ففصلت عنها الكهرباء؛ عقابًا لها. وبالنسبة للأدوية فتذكرت أنني لم أجددها بعد.
أخيرًا.. أنهت الفتاة مكالمتها وعروضها؛ لتسألني عن الاختيار المناسب لي؛ حتى تحجز لي فورًا، فأخبرتُها كاذبًا أنني كنت أود الشراء فعلًا، ولكن -بكل أسف- اشتريتُ قبل أسبوع وحدة مماثلة من شركة منافسة في المدينة السياحية ذاتها عدًّا ونقدًا، فعقَّبت الموظفة العقارية وقد تبددت نبرة الصوت تدريجيًا؛ حتى كادت تلامس صورت الراحلة نعيمة الصغير: "يا خسارة يا أفندم.. كان نِفسي تكون عميل معانا.. والله كنت هتنبسط جدًا"!
انتهت المكالمة بسلام وبأقل الخسائر. ولدى مغادرتي مسكني، اكتشفتُ أن العداد الكودي المشحون قبل 24 ساعة ينازع في الجنيهات الأخيرة، ويجب شحنه فورًا، ولن يمكن إرجاؤه -حين ميسرة- مثل: الأدوية المنتهية أو الواي فاي الخاوية أو اللمبات المحروقة أو السباكة "المتلوفة" أو شهريات الحارس المتراكمة.. أو الجوارب المثقوبة!