فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

حتى يصل الدعم إلى مستحقيه (3).. خارطة طريق لمشروع الإفصاح الوطني

في المقالين السابقين رسمنا الإطار الفكري والتبرير الاقتصادي لمشروع الإفصاح الوطني. اليوم ننزل إلى أرض التنفيذ ونجيب على السؤال العملي: كيف تُنشئ الدولة المصرية -في غضون ثلاثة /أربعة  أشهر- قاعدة بيانات موثوقة وشاملة نتعرف من خلالها على من يستحق الدعم ومن لا يستحق؟


يتم الأول تصميم استمارة الاستقصاء بواسطة متخصصين من التخصصات البينية الخاصة بالتنمية الاقتصادية والسياسات العامة والديموجرافيين بالاضافة إلى أساتذة مناهج البحث والأخصائيين. يتم تجربة الإستقصاء على عينة ممثلة للفئات المقصودة بواسطة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والأحصاء في البداية، والتأكد من الوضوح والدقة والوقت الممكن استغراقه في تعبئة الاستقصاء بحيث لا يزيد عن خمسة عشر دقيقة.. 


المهم أن يتم تركيز الاستقصاء على المحاور التالية: البيانات الشخصية والأسرية (عدد الأفراد والأعمار والعنوان التفصيلي والمستوى التعليمي) - الوضع الوظيفي والدخل (طبيعة العمل والجهة والدخل الشهري التقريبي لكل فرد عامل) - الأصول والممتلكات (السكن تمليكًا أم إيجارًا، عقارات إضافية سيارات)- الخدمات الحكومية الحالية (بطاقة التموين، تكافل وكرامة، أي مساعدات أخرى) - إقرار النزاهة الإلزامي (توقيع بصحة البيانات مع العلم الصريح بالعقوبة عند الإدلاء بمعلومات كاذبة).


كيفية التنفيذ:

يمكن أن يرتكز الاستقصاء على قناتين تعملان في آنٍ واحد.. أولا، القناة الرقمية: منصة إلكترونية رسمية تُتيح للمواطن التسجيل من منزله بالرقم القومي في خمس عشرة دقيقة.. ومن لا يستطيع الوصول الرقمي يجد نقاط خدمة في مكاتب البريد والوحدات المحلية.. 

 

ثانيا، قناة الزيارات الميدانية: "جيش المُيسِّرين" يتوجه مباشرةً إلى المنازل في الأحياء الشعبية والنجوع والقرى النائية، ويضم ثلاث فئات: موظفو الوزارات بنظام الانتداب المؤقت، وخريجو الجامعات ضمن متطلب الخدمة العامة، والباحثون الاجتماعيون. كل فرد منهم يحمل جهازًا لوحيًا يُرسل البيانات مشفَّرةً فورًا إلى الخوادم المركزية.. 

 

ثالثا، التحقق الالكتروني الفوري لا تقف المنظومة عند تجميع البيانات. فور ورود كل طلب يُربَط تلقائيًا بأربع قواعد بيانات قومية: مصلحة الضرائب للتحقق من الدخل، وإدارة المرور للكشف عن ملكية السيارات، والشهر العقاري لملكية العقارات، وهيئة التأمينات الاجتماعية للعمل الرسمي. ثم يُصنِّف النظام الطلب في ثوانٍ: قبول مباشر، أو مراجعة بشرية، أو إحالة لوحدة التحقيق عند ظهور تناقضات صريحة..

 

رابعا، العقوبة العلنية - الرادع الذي يصنع الثقة: ليس هناك ما يُفسد أي منظومة إفصاح وطني أسرع من الشعور بأن المتلاعب يُفلت بجريمته. لذلك يقوم المشروع على ثلاثة مستويات من الجزاء: الحرمان الفوري والاسترداد: شطب نهائي من قوائم المستحقين واسترداد كل ما حُصِّل زورًا مضافًا إليه غرامة تعادل ضعفه.. 

السجل العلني للمخالفات: نشر اسم المخالف ورقمه القومي وطبيعة مخالفته على الموقع الرسمي وعلى لوحات الوحدات المحلية خلال ثلاثين يومًا -لتحويل الغش الاجتماعي من سلوك مُجدٍ إلى وصمة عار. 

الملاحقة القضائية: في حالات التزوير الممنهج تُحال الملفات إلى نيابات متخصصة، والموظف الميداني المتواطئ يواجه الفصل الفوري والمحاكمة الجنائية.


الدرس الكيني.. كيف تصل الأموال إلى آخر نجع؟ 

اختبرت كينيا مشكلةً يعرفها كل اقتصادي في الدول النامية: كيف تُوصِل الدعم النقدي إلى مستفيد في قرية لا بنك فيها ولا بريد؟ الجواب جاء عبر برنامج "إنووا جامي" الذي يخدم أكثر من مليون وسبعمائة ألف مستفيد.. 

رسالة نصية على الهاتف بقيمة المبلغ، والمستفيد يتوجه إلى أقرب وكيل صرف -وكثيرًا ما يكون صاحب بقالة أو محل صغير في القرية- ليصرف ما يشاء أو يُنفِقه مباشرةً في المحل. 

متوسط المسافة إلى أقرب وكيل: ثلاثون دقيقة بدلًا من رحلة يوم كامل إلى البنك وأن هذه التحويلات أسهمت في خفض وفيات الأطفال دون الخامسة بنسبة 45%، وهي نتيجة توازي أثر اللقاحات كما أثبتت دراسة المكتب الوطني للبحث الاقتصادي الأمريكي (NBER)


التطبيق المصري يعني: 

ربط كل مستفيد بأقرب منفذ صرف أو إنفاق -سواء كان فوري أو إنستاباي أو سوبر ماركت معتمدًا أو وكيلًا بريديًا. هذا التطبيق لا يُوصِل الدعم فحسب، بل يُحرِّك الطلب المحلي في المناطق المهمشة ويُنعش التجارة الصغيرة.. 


أخيرا الجدول الزمنى: 

ثلاثة  شهور.. الشهر الأول: بناء المنصة الرقمية وربطها بقواعد البيانات القومية، تدريب المُيسِّرين الميدانيين، إطلاق حملة توعية قومية واسعة.. 

الشهر الثاني: فتح باب التسجيل الرقمي الذاتي مع تنفيذ الزيارات الميدانية الموازية في جميع المحافظات دون استثناء.. 

الشهر الثالث: التحقق الآلي والبشري، إغلاق السجلات، الإعلان عن النتائج الأولية، وبدء تطبيق القوائم المُحدَّثة.. 

الخلاصة- المعلومة هي الإصلاح:  

بعد ثلاثة أشهر يمكن أن تمتلك مصر لأول مرة في تاريخها خريطةً معيشيةً حقيقيةً لمواطنيها: من هو الفقير، ومن هو الهش، ومن هو المقتدر. وعندها -وعندها فقط- يصبح النقاش حول الدعم النقدي أو العيني أو المختلط نقاشًا مبنيًا على الأدلة لا على الافتراضات..