الدكتورة علية من الإسكندرية إلى العالمية
في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة تُقاس بالضجيج، تظل القامات العلمية الحقيقية هي الأكثر تأثيرًا وإن عملت في هدوء. ومن بين هذه النماذج المضيئة تبرز العالمة الجليلة، الأستاذة الدكتورة علية محمود عبدالهادي. والتي لم تكتفِ بالنجاح الأكاديمي، بل أسهمت على مدار عقود في تشكيل وعيٍ علمي وجمالي إمتد أثره داخل مصر وخارجها، لتصبح واحدة من أبرز رموز العمارة الداخلية في العالم العربي.
وُلدت الدكتورة علية عبد الهادي عام 1943 بمدينة الاسكندرية، في بيتٍ وطني تربوي، حيث كان والدها من أوائل ضباط البحرية المصرية، ثم مديرا للكلية البحرية الملكية، ونشأت في أسرة تؤمن بالقيم والعمل والانضباط، وتمارس المبادئ أفعالًا لا أقوالًا.
ومنذ سنواتها الأولى ظهرت ملامح التفوق والتميز، فحصلت عام 1965 على بكالوريوس الفنون الجميلة بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى، لتتصدر دفعتها في إنجاز استثنائي، وفي العام نفسه نالت جائزة عيد العلم من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.
بدأت علية عبدالهادي حياتها العملية موظفة في قصر ثقافة الانفوشي بالإسكندرية قبل أن تنال حقها في التعيين بالجامعة حتى تواصل رحلتها العلمية بإصرار وشغف، فحصلت على درجة الماجستير عام 1976، ثم الدكتوراه في العمارة الداخلية عام 1986، وتدرجت في المناصب الأكاديمية حتى أصبحت واحدة من أهم المتخصصين في مجالها عربيًا ودوليًا.
كما تولت العديد من المواقع القيادية المؤثرة، من بينها عمادة كلية العمارة والفنون بجامعة البترا بالأردن، ووكالة كلية الفنون الجميلة للدراسات العليا بجامعة حلوان.
ولأن التميز الحقيقي لا تحدّه الجغرافيا، فقد حصدت تقديرًا دوليًا رفيعًا بدخولها عام 2024 قاعة مشاهير الجمعية الدولية لدراسات الإنسان والبيئة في أسبانيا (IAPS)، لتكون أول امرأة من الجنوب العالمي وأول إفريقية تنال هذا التكريم التاريخي.
وعلى مدار أكثر من 55 عامًا من العمل الأكاديمي، وأكثر من 40 عامًا من الحضور العلمي الدولي، قدمت الدكتورة علية عبدالهادي عشرات الأبحاث العلمية، وأسهمت في الإشراف على أجيال من الباحثين، وشاركت في مؤتمرات ومحافل علمية عالمية، لتصبح مدرسة علمية متكاملة ونموذجًا مشرفًا للمرأة المصرية والعربية.
العالمة الجليلة علية عبدالهادي ليست مجرد أستاذة ديكور وعمارة داخلية، بل قيمة علمية وإنسانية كبيرة، ونموذج يُحتذى في العلم والعمل والرقي والتواضع والأخلاق، وستظل واحدة من العلامات المضيئة في تاريخ التعليم والبحث العلمي العربي.