فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

البتانوني.. رائد جراحة الأوعية الدموية

في وطنٍ أنجب كبار العلماء وأصحاب البصمات الخالدة، يظل واحدًا من الأسماء المضيئة التي صنعت تاريخًا مشرفًا للطب المصري، وأحد الرواد الأوائل الذين أسسوا مدرسة راسخة في جراحة الأوعية الدموية، إنه العالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد حسن حلمي البتانوني رائد جراحة الأوعية الدموية في مصر والشرق الأوسط.

 

ورغم مكانته العلمية الرفيعة، لم يكن الدكتور البتانوني من الباحثين عن الأضواء أو الشهرة، بل اختار أن يهب حياته للعلم والمرضى وتلاميذه، فكان عطاؤه أوسع من أن تحيط به عناوين الصحف أو منصات الإعلام. ولعل كثيرين لا يعرفون اسمه، لكنهم استفادوا من علمه عبر أجيال من الأطباء والجراحين الذين تتلمذوا على يديه وأصبحوا بدورهم منارات علمية تخدم الإنسانية.

 

وُلد الدكتور البتانوني بمحافظة المنوفية عام 1941، وتخرج في كلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة عام 1963 بتقدير الشرف، ثم حصل على الدكتوراه في الجراحة العامة عام 1970، ونال شهادة المعادلة الأمريكية عام 1971. ولم تقتصر رحلته العلمية على الطب وحده، بل امتدت إلى الفلسفة وعلم النفس والحقوق والآثار، ليقدم نموذجًا فريدًا للعالم الموسوعي واسع الثقافة والمعرفة.


تدرج في مختلف المناصب الأكاديمية والطبية حتى أصبح أستاذًا لجراحة الأوعية الدموية بكلية طب قصر العيني، ورئيسًا لوحدة جراحة الأوعية الدموية، كما تولى رئاسة قسم الجراحة بمعهد تيودور بلهارس. وأسهم في إدخال العديد من التقنيات والأساليب العلاجية الحديثة، وكان له دور بارز في تأسيس وتطوير عدد من الأقسام والوحدات الطبية المتخصصة.


كما أشرف على مئات رسائل الماجستير والدكتوراه، ونشر عشرات الأبحاث العلمية في أرقى الدوريات الطبية، وأسهم في إعداد أجيال متعاقبة من الجراحين والباحثين الذين يحملون اليوم راية العلم في مصر وخارجها. وهو عضو في العديد من المجالس والهيئات العلمية المتخصصة، وعضو بمجمع الخالدين للغة العربية، ليجمع بين التميز العلمي والاهتمام العميق بالثقافة واللغة.


وقد حصد الدكتور البتانوني العديد من الجوائز والتكريمات العلمية داخل مصر وخارجها، وفي مقدمتها جوائز جامعة القاهرة التقديرية في العلوم الطبية، فضلًا عن تكريمات دولية تقديرًا لإسهاماته البحثية والمهنية المتميزة.


ورغم ما عُرض عليه من فرص ومغريات للعمل بالخارج، آثر البقاء في مصر، مؤمنًا بأن أبناء وطنه ومرضى القصر العيني هم الأحق بعلمه وخبرته. وحتى بعد إغلاق عيادته الخاصة، ظل يقدم الاستشارات الطبية المجانية لكل من يلجأ إليه، في مشهد يجسد أسمى معاني الوفاء للمهنة والإنسان.


ويبقى الجانب الأكثر إشراقًا في مسيرته أنه لم يكن عالمًا كبيرًا فحسب، بل كان الطبيب الإنسان؛ صاحب الخلق الرفيع والتواضع الجم، الذي جمع بين العلم الغزير والعطاء النبيل، فاستحق محبة الجميع واحترامهم.

إن الكتابة عن هذه النماذج المضيئة ليست مجرد توثيق لمسيرة نجاح، بل هي رسالة أمل للأجيال الجديدة، تؤكد أن قيمة الإنسان بما يقدمه لوطنه وللبشرية من علم وعطاء.
تحية تقدير وامتنان للأستاذ الدكتور محمد حسن حلمي البتانوني، أحد أعلام الطب المصري، ورائد جراحة الأوعية الدموية، ونموذج مشرف للعالم الوطني الذي وهب عمره للعلم وخدمة الإنسان.