فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

المنشاوي بكل لغات العالم

أولت وسائل إعلام عربية وغربية، خلال الأيام القليلة الماضية، اهتمامًا طاغيًا بالإعلان عن ختمة مرتلة مُنقحة لفضيلة القارئ الشيخ محمد صديق المنشاوي. كما احتل اسم القارئ الكبير المُتوفَّى عام 1969 منصات التواصل الاجتماعي. 

يحكم القارئ القادم من أغوار صعيد مصر بأحكامه حتى وهو تحت الثرى. الشيخ محمد -الذي ينتمي إلى سلسال قرآني ممتد، وشجرة قرآنية عتيقة، أصلها ثابت وفروعها تكاد تعانق السماء- ليس مجرد قارئ عابر في تاريخ دولة التلاوة المصرية، ولكنه دُرة التاج بلا منازع.


لم يطرق المنشاوي باب الإذاعة كما أقرانه، ولكن الإذاعة هي التي ذهبت إليه في قلب الصعيد وخطبت وُدَّه، واعتمدته في عام 1954؛ ليصنع خلال أقل من ستة عشر عامًا فقط مجدًا عظيمًا طاف العالمين.. ولا يزال.

 
غادرنا المنشاوي في عنفوانه في مثل هذا الشهر قبل سبعة وخمسين عامًا عن تسعة وأربعين عامًا فقط، ولكن ميراثه القرآني كتب لاسمه الخلود والبقاء.


ينطبق على المنشاوي قول أمير الشعراء أحمد شوقي: الناسُ صنفان: موتى في حياتهم، وآخرون في بطن الأرض أحياءُ. المنشاوي أحد هؤلاء الذين يحكمون بأحكامهم، حتى وهم في القبور. السيرة الطيبة أطول من العمر، والمنشاوي ينتمي إلى طائفة القراء العِظام أصحاب السيرة الطيبة، ممَن أخلصوا لكتاب الله إخلاصًا عظيمًا، فاض الله عليهم بعظيم فضله.


كلمة السر في حالة الزخم -التي خلَّفها الإعلان عن الختمة المُنقحة للمصحف المرتل- تكمن في موقف المنشاوي نفسه؛ فهو مَن بادر، وهو مَن طلب، وهو مَن تحمل النفقات المالية كاملة لها، رغم أن الختمة الأولى كانت ولا تزال مثار إعجاب وتقدير عموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

 

فارقٌ كبيرٌ بين أن تطارد الشهرة والأضواء، وتتكبد المال من أجل أن يتحدث عنك الناس، وبين أن تكون قابعًا في قبرك منذ أكثر من نصف قرن من الزمان، ولا تزال شهرتك في ازدياد واسمك في انتشار. 

تلك معادلة مُعقدة لا يقدر عليها إلا مَن استوطن الإخلاص لله قلوبهم وأقام فيها. تلك أشياء لا تُشترى بالمال ولا بالميلشيات الإلكترونية ولا بالمطاردات الإعلامية ولا بالأظهر العائلية ولا بالعلاقات الشخصية.


مات محمد صديق المنشاوي، ولم يمت اسمه، ولم تخفت شهرته. تلاواتٌ نادرة وتسجيلات مخفية ظهرت لقراء آخرين بعد موتهم، لكنها لم تصنع كل هذا الزخم، ولم تتناولها منابر إعلامية غربية، لم يكن قراء القرآن يومًا من أولوياتها ولا على صدارة اهتماماتها. 


يكاد المنشاوي أن يكون القارئ الوحيد الذي حقق العلامة الكاملة في ترتيل القرآن الكريم وتجويده، فلا يعلو في واحدة عن الأخرى، ولكنه عالي المقام وعظيم الشأن في هذه وفي تلك. وكما صنع المنشاوي مجدًا عظيمًا في المصحف المرتل، لا يضاهيه فيه أحد، فإن المنشاوي في التلاوات المجودة يتقدم السباق، ليس بصوت وأداء مُحكمين فقط، ولكن بخشوع حقيقي يرافق كل حرف وكل آية.

 
خشوع محمد صديق المنشاوي مضرب الأمثال. المنشاوي هو الموصوف يومًا بـ" ذلك المسافر من أثقال التراب إلى معارج الملائكة، صوت غريب عتيق لا مثيل له، إذا حزن فكأنما يتنفس في صدر سيدنا يعقوب، وإذا خشع فكأنما يجلس في ظلال العرش، وإذا وعظ فقرأ "قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ"، فكأنما يجلس فوق منبر الأزمنة؛ ليقصَّ على الناس مخبآت الحكم والأقدار..

 

وإذا قرأ آيات البشارة، فكأنما طمع في الفرح كله، فصبَّه في ذبذبات صوته الحنون بلا بهرج ولا صخب ولا افتعال. هو ذلك الصوت الأواب الذي يقول لك: اجلس، فإن ها هنا قلبًا يتكلم بالقرآن، ولن يكون حالك بعد السماع مثل حالك قبلها أبدًا. إنه لينثر في حقول الصدور بذور الآخرة. ولعل هذا الوصف يقطع قول كل خطيب.

وأخيرًا.. تبقى هناك تساؤلات مشروعة جدًا: هناك ميراث لـ"المنشاوي" لا يزال مخفيًا، بين مرتل ومجود، فهل يتمكن القائمون على مقاليد الأمور في الهيئة الوطنية للإعلام من استعادته واسترداده واكتشافه وتقديمه للناس؟ فإن فعلوا فبها ونعمت، وإن لم يفعلوا فإن نفحات المنشاوي نفسه قد تهب مجددًا وتُخرج ما يخفيه الناس يومًا ما: احتكارًا أو مكرًا وكيدًا. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.