فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

ذكرى فتح عكا، كيف حطم الجيش المصري الأسوار التي استعصت على نابليون بونابرت ؟

فتح عكا، فيتو
فتح عكا، فيتو

في مثل هذا اليوم من عام 1832، سجل التاريخ العسكري فصلًا استثنائيًا من فصول التمدد المصري في المشرق العربي، حين تمكن الجيش المصري بقيادة القائد المحنك أحمد المونوكلي من فتح مدينة عكا الحصينة، وجاء الانتصار بعد حصار بري وبحري خانق دام ستة أشهر كاملة، جربت فيها العسكرية المصرية أحدث خطط الحصار والمدفعية، وهذا الفتح المدوي أعلن رسميًا انهيار خط الدفاع الأول للدولة العثمانية في بلاد الشام، وفتح الباب على مصراعيه أمام اندفاع القوات المصرية شمالًا نحو عمق الأناضول، مهددًا عرش آل عثمان في الآستانة.

شرارة الحرب بين محمد علي ووالي عكا

جذور الصراع وعملية الزحف نحو الشام تبلورت بعد أن أعلن والي مصر، محمد علي باشا، الحرب صراحة على والي عكا، عبد الله باشا، حيث اتهمته القيادة المصرية بإيواء ستة آلاف من الفلاحين المصريين الفارين من التجنيد الإجباري ورفض إعادتهم إلى بلادهم، بالإضافة إلى تعنته المستمر ورفضه إرسال الأخشاب اللازمة من غابات الشام لبناء وتحديث الأسطول البحري المصري في ترسانة الإسكندرية، وهذه التحديات اعتبرها محمد علي طعنة لمشروعه التوسعي، فقرر حسم الأمر عسكريًا وتأديب الوالي المتمرد.

بدأ الحصار المصري لعكا في أواخر عام 1831، حيث شهد صعوبات بالغة نظرًا للطبيعة الجغرافية والتحصينات الأسطورية التي تميزت بها عكا، والتي تفاخرت تاريخيًا بإنها المدينة التي تحطمت على أسوارها أحلام نابليون بونابرت من قبل، وقاد الحصار في البداية إبراهيم باشا، لكن الصمود المستميت لقوات عبد الله باشا والمقاومة العنيفة فرضت استدعاء القائد البارز أحمد المونوكلي لإدارة المعارك الميدانية وتكثيف الضربات المدفعية. 

أحمد المونوكلي، جنرال المهمات الصعبة

القائد أحمد المونوكلي هو أحد  أبرز قادة العسكرية المصرية في عصر محمد علي باشا، ورجل المهمات الصعبة الذي ارتبط اسمه بأشرس المعارك الميدانية في الشام والأناضول، حيث تلقى تربيته الصارمة في المدارس الحربية والنظام الجديد الذي أسسه محمد علي وتدرج في الرتب العسكرية بفضل انضباطه التكتيكي العالي وقدرته الفائقة على إدارة سلاح المشاة والمدفعية، وهو ما جعله يتحول سريعًا من ضابط ميداني إلى قائد لواء يعتمد عليه النظام في تثبيت أركان الدولة وتأديب الولاة المتمردين في الأقاليم المجاورة.

واتسمت علاقة المونوكلي بمحمد علي بالثقة المطلقة، كان الباشا يرى فيه الأداة التنفيذية المخلصة لحماية الأمن القومي المصري وتوسيع نفوذ الدولة، مما دفعه لتقديمه في الصفوف الأولى لفتح عكا الحصينة وتعيينه لاحقًا حاكمًا لعموم الشام. 

في الميدان، شكل المونوكلي ثنائيًا عسكريًا متناغمًا مع القائد العام إبراهيم باشا، حيث جمعتهما زمالة السلاح والخطط الهجومية الجريئة، فكان المونوكلي هو الذراع اليمنى لإبراهيم في معارك حمص وبيلان وقونية، والمهندس الحقيقي لعمليات اقتحام التحصينات المعقدة التي وضعت الجيش المصري على مشارف الآستانة.

لحظة الاقتحام، سقوط والي عكا ونهاية أسطورة المدينة المنيعة

ملامح الخطة المصرية اعتمدت على هدفين رئيسيين، إحداث ثغرات واسعة في السور الشرقي للمدينة عبر قصف مركز لا يتوقف، وقطع كافة إمدادات الإغاثة العثمانية من البحر والبر، مما أنهك حامية المدينة ونشر الأوبئة والجوع بين صفوفها.

وفي مثل هذا اليوم، ومع انهيار أجزاء حيوية من الدفاعات وتحت وطأة الهجوم الشامل من ثلاثة محاور، اقتحم الجيش المصري شوارع عكا بالحراب والسيوف، لينتهي الحصار الطويل باستسلام عبد الله باشا ونقله أسيرًا إلى الإسكندرية، وترتب على هذا الفتح محو أسطورة المدينة التي لا تقهر، وتحولت عكا من ولاية عثمانية متمردة إلى قاعدة عسكرية متقدمة للإدارة المصرية في الشام، ليرحل المونوكلي وجنوده بعد أن سطروا واحدًا من أهم الانتصارات في تاريخ العسكرية المصرية الحديثة.