فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

زي النهاردة، سوريا تنتقم من عميل الموساد وتنفذ حكم إعدامه وسط الشارع

لحظة إعدام إيلي كوهين،
لحظة إعدام إيلي كوهين، فيتو

في مثل هذا اليوم من عام 1965، أسدلت دمشق الستار على واحدة من أخطر عمليات التجسس في العصر الحديث، بتنفيذ حكم الإعدام شنقًا بحق الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين في ساحة المرجة وسط العاصمة السورية، ولم يكن كوهين مجرد عميل عادي يجمع معلومات خلف خطوط العدو، بل كان مشروع اختراق سياسي وعسكري استثنائي وصل إلى عمق صناعة القرار السوري، وهو ما يوثقه المؤرخ والكاتب السوري شمس الدين العجلاني في دراساته حول تاريخ القضاء السوري، مستعرضًا كيف تحولت لحظة إعدامه إلى صدمة مدوية داخل أروقة جهاز الموساد الإسرائيلي الذي راهن على هذا العميل لسنوات طويلة.

من الإسكندرية إلى دمشق، جذور اختراق إيلي كوهين 

ولد إيلي كوهين في مدينة الإسكندرية بمصر عام 1924 لأسرة يهودية ذات أصول حلبية، وهناك بدأت أولى خطواته في العمل السرّي لصالح شبكات الهجرة الصهيونية قبل أن يغادر مصر متوجهًا إلى إسرائيل. بدأت علاقته الفطرية بالمنطقة وتفاصيلها الثقافية تشكل ميزته الكبرى، حيث تم تجنيده في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ووضعت له خطة تقمص شخصية تاجر سوري مغترب في الأرجنتين يحمل اسم كامل أمين ثابت.

ويشير الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل في كتابه الانفجار إلى أن إتقان كوهين للهجة والعادات العربية ساعده على بناء شبكة علاقات هائلة مع الدبلوماسيين والمغتربين السوريين في بوينس آيرس، مما مهد له الطريق لدخول دمشق عام 1962 كوطني غيور يسعى للاستثمار في بلده الأم.

ونسج إيلي كوهين علاقات وثيقة مع كبار القادة العسكريين والسياسيين في سوريا؛ فكان يزور الجبهة الأمامية في هضبة الجولان، ويطلع على تحصينات الجيش السوري ومواقع مدافعه بدعوى تقديم الدعم والخدمات للجنود. ملامح خطته كانت تعتمد على هدفين رئيسيين: نقل أدق التفاصيل العسكرية عبر جهاز لاسلكي سري مخبأ في شقته، والتقرب من النخبة الحاكمة حتى تردد في بعض الأوساط أنه كان مرشحًا لتولي منصب سيادي رفيع حسب المؤرخ العسكري الإسرائيلي ميخائيل بار زوهار في كتابه الموساد أن المعلومات التي أرسلها كوهين حول خطوط الدفاع السورية في الجولان كانت أحد العوامل الحاضرة في الحسابات العسكرية الإسرائيلية لاحقًا.

كواليس القبض على إيلي كوهين 

لم يكن سقوط كوهين نتيجة خطأ فردي، بل جاء ثمرة يقظة أمنية قادتها أجهزة الأمن السورية بالتعاون مع خبراء رصد الإشارات، حيث بدأت الشكوك تحوم حول شقته الكائنة في حي أبو رمانة بدمشق، بالقرب من مقار بعثات دبلوماسية، بعد رصد تشويش غير مبرر على الاتصالات اللاسلكية الرسمية. وفي ليلة قادتها الاستخبارات العسكرية السورية، اقتحمت القوات شقته وألقت القبض عليه متلبسًا بإرسال رسالة مشفرة إلى تل أبيب، لتبدأ مرحلة التحقيقات المكثفة التي كشفت عن هويته الحقيقية وصدمت الكثير من أصدقائه في النخبة السورية الذين وثقوا فيه لسنوات.

وواجهت الدولة السورية في ذلك الوقت انتقادات وضغوطًا دولية هائلة، قادتها عواصم غربية ومرجعيات دينية، لمنع إعدام كوهين واستبدال العقوبة، إلا أن القيادة السورية صممت على تنفيذ الحكم لرد الاعتبار للأمن القومي وبتر ذراع الاختراق الصهيوني بشكل نهائي. 

ورحل كوهين على أعواد المشنقة في مثل هذا اليوم، وتحولت قصته إلى مادة خصبة للكتب والأفلام السينمائية عالميًا، وبقيت ساحة المرجة في الذاكرة التاريخية كشاهد على اليوم الذي انكسرت فيه أوهام الاختراق الإسرائيلي وتحولت عملية التجسس الأكبر إلى درس قاصم في حماية جبهة البلاد الداخلية.