هل لقب فرعون عار على المصريين؟
كثير هو اللغط والتفسيرات لكلمة (فرعون) إذ إن كثيرين لصقوا كلمة فرعون في دلالتها بالملك الباطش الطاغي، مستشهدين في ذلك بجملة من الآيات وصلت إلى ما يقارب الستين آية، تصف حكام مصر (بالفرعون)، ويأتي القرآن في موضع آخر في سورة يوسف ويُطلق علي حاكم لمصر في عهد يوسف عليه السلام بلقب (ملك)..
قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابسَاتٍ)، وقوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ). ومن المعلوم أن الملك في عهد يوسف هو من ملوك الهكسوس.
والهكسوس قد احتلوا مصر قرابة قرن ونصف، وحكموا وكونوا أسرًا حاكمة وتقلدوا ملوكا على أغلب أراضي مصر، في حين أن الفرعون هو حاكم من أصل مصري، وبنو إسرائيل انتشروا في مصر في عهد الهكسوس، ولم يكن بينهم وبين حكام مصر إلا التنافر والتنابذ والريبة، كما كان بينهم وبين أنبيائهم..
بل وحتى مع موسي الذى خرج بهم من مصر، وعوقبوا بالتيه أربعين سنة لسوء سريرتهم، إذ لما تركهم موسى ليتلقى الألواح في طور سيناء، عاد وقد وجدهم يكفرون به وبدينه وارتحلوا لعبادة العجل..
﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [البقرة: 51] وقوله تعالى ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [الأعراف: 138].
وعن قتلهم الأنبياء قال تعالى ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) [المائدة: 70] وقال تعالى ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87].
وعن تحريفهم التوراة كتابهم المقدس قال تعالي (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 75] وقال تعالي ﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ [النساء: 46] وقال تعالى ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 75].
وهذا التوضيح القرآني لخصال اليهود، أتى علي منواله أيضا في خطاب القرآن ما هو ذم وتوبيخ لما فعله فرعون من بطش وجبروت، وقد أنزل الله عليه غضبه وسخطه، وأتت الآيات القرآنية الكريمة لتجعل منه عبرة لكل من طغى وتجبر..
قال تعالى (اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ، فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ، وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ، فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ، فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ، فَحَشَرَ فَنَادَىٰ، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ، فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ) (النازعات الآيات17: 26 )
وهذا لا يعني أن كل حكام مصر ممن أطلق عليهم فراعنة لتداول الاسم على ملوك مصر من القدماء، لا يعني أنهم كلهم على هذا النهج، اللهم إلا الدعايات الإسرائيلية والتلفيق، والتأويل المغرض للنصوص وحقائق التاريخ هو من يسعى في اتجاه شيطنة كل حكام مصر من القدماء المصريين، وتنزيه كل حكام الهكسوس المحتلين ورفعهم قدرا وفي هذا من المآرب الخفية الكثير.
وفرعون مصر ممن دار حولهما جدل هما اثنان، رمسيس الثاني وهو الذى ربى وعلم موسى وأحسن توجيهه.. وابنه مرنبتاح الذى آل إليه الحكم بعد أبيه، وهو الذى طارد موسى وبطش ببني إسرائيل وبغيرهم.. وتلك الأفعال هى استثناء غير، ولا هو معهود عن ملوك القدماء المصريين العظام، أولئك الذين قاموا بأدوار إنسانية عالية..
كما الاستثناء في حالة الملك الهكسوسي في عهد يوسف، إذ كان عادلا حكيما على خلاف حكام الهكسوس الرعاة الغزاة علي طول تاريخهم، فلا يجوز أن نحكم علي الهكسوس بالحكمة والعدل وإن كان هناك استثناء في ملك أو اثنين علي مدار 150 عاما مدة احتلالهم لمصر..
كذلك لا يمكننا الحكم على القدماء المصريين من خلال حالة استثناء كانت في الملك مرنبتاح، ونغفل تاريخ يمتد لثلاثة آلاف عام فيه كان ملوك القدماء المصريين علي غير شاكلته وأسلوبه..
ولنذهب معًا لمعرفة معنى كلمة فرعون حتى نقف علي بينة الأمر، وذلك حين نستشهد برأي عالم الآثار المصرى الدكتور زاهي حواس في تعريفه لكلمة فرعون إذ قال:
"وهنا يجب أن نفسر معنى كلمة فرعون لأننا نستخدمها في بعض الأحيان دون معرفة معناها، بل ونحاول أن نشير إلى أن كلمة فرعون تعني الطاغي، أو الظالم وذلك من خلال قراءة الكتب السماوية، خاصة القرآن الكريم في قصة موسي عليه السلام, والفرعون الذي طغى، وقد جعلنا هذا نعتقد أن كل الفراعنة طغاة..
وجعل البعض ينظر إلي الآثار كأنها أصنام لأنها من صنع الطغاة. وهنا يجب أن نشير إلي أن اسم فرعون ينسب إلى الاسم المصري القديم "بر- عا" بمعنى (المنزل العظيم)، وهذا الاسم عرف فقط وارتبط بالفرعون منذ عصر الدولة الحديثة، أي منذ حوالي سنة 1550 ق.م، وقد حرف الإسم بالعبرية إلى فرعو ثم بالعربية إلي فرعون..
وبالتالي فإن الاسم يعني الملك الذي يعيش في القصر العظيم، وقد عرف حكام مصر قبل الدولة الحديثة باسم ملك وبعد الدولة الحديثة باسم فرعون، وهنا تظهر عظمة القرآن الكريم في قصة سيدنا يوسف حيث لم تذكر القصة كلمة فرعون، لأن الحادثة وقعت قبل الدولة الحديثة، أما قصة سيدنا موسى فقد حدثت عندما كان الملك يُطلق عليه اسم فرعون".
انتهى كلام الدكتور زاهي حواس كما ورد في جريدة الأخبار القاهرية الصادرة بتاريخ 10/ 12/ 2005 م.
ونقول هنا توضيحًا هامًا: إنه منذ أن فكك شامبليون حجر رشيد وتعرف على الكتابة الهيرروغلوفية في أواخر القرن التاسع عشر، لم يعد من قبيل التخمين ولا الترويج أن نقول في التاريخ وفق ما نريده أو يريده اليهود، بعد أن تعرف العالم إثر هذا الكشف لشامبليون على تاريخ مصر القديم بشكل دقيق، فظهرت هنا المعجزة القرآنية..
إذ تجلت في الآتي: أن يوسف عليه السلام كان في مصر أيام (الملوك الرعاة: الهكسوس) الذين احتلوها وظلوا فيها من 1730 ق.م إلى 1580 ق.م، حتى أخرجهم أحمس الأول وشكل الدولة الحديثة (الإمبراطورية)..
لذلك كان القرآن العظيم دقيقًا جدًا في كلماته، لم يقل: قال فرعون ائتوني به، ولم يقل: وقال فرعون إني أرى سبع بقرات سمان، بل قال: (وَقَالَ الْمَلِكُ) لأن يوسف عليه السلام عاش في مصر أيام كان يُطلق على الحاكم (الملك)، وموسي كان في عهد الأسرة 19 الدولة الحديثة أيام كان يطلق علي ملك مصر (فرعون) وفي هذا من المعجزة القرآنية العالية التى تواكب الزمان طولا.