ظاهرة علي البيلي وعبدالله كمال!
نشأت وقضيت طفولتي وجزءًا من شبابي في إحدى قرى محافظة المنيا، وكان في القرية مبنى مستقل تحيط به حديقة جميلة لما كان يُسمى وقتها بـ (الوحدة الاجتماعية)، تدخل المبنى فتجد حضانة للأطفال، وترى الأسر الفقيرة التي تتقدم بطلبات للمعاش، أو طلابا فقراء يرغبون في عمل بحث اجتماعي يعفيهم من مصروفات الدراسة، إلى غيرذلك من الخدمات الاجتماعية..
وفي صدارة الحديقة يواجهك باب عريض إذا سألت عما خلفه سوف تعرف أنه قاعة المسرح، نعم كما قرأت، مسرح يحتوى على خشبة للعروض، وكواليس، ومقاعد مريحة للجمهور تتسع لنحو مائة شخص، وقد كتبت في شبابي عملا مسرحيا متواضعا، بحكم حداثة سني، مثله وأخرجه عدد من شباب القرية الموهوبين..
وقٌدر لي أن أسمع -لأول مرة- ممثلا يقول جملة من تأليفي، وهذا إحساس -لو تعلمون- عظيم، كل هذا حدث في قرية في الصعيد، عندما كانت الدولة تقدر قيمة الفن، وضرورة أن تسعى لاكتشاف المواهب الحقيقية من بين الأطفال حتى لو كانوا يعيشون في قلب قرية بعيدة عن أضواء العاصمة ومسارحها.
أروي هذه الذكريات بمناسبة سعادتي بظاهرة يشهدها الوسط الفني في العامين الأخيرين، هي اكتشاف أطفال لديهم موهبة حقيقية في التمثيل، هذه الظاهرة كان أولى ثمارها هو ظهور الطفل علي البيلي، الذي قدم دورا في غاية الأهمية من خلال مسلسل لام شمسية، الذي كتبته ورشة سرد بإشراف الكاتبة مريم نعوم، وأخرجه المخرج المبدع كريم الشناوي، وتم عرضه في شهر رمضان 2025..
وبروز موهبة علي البيلي لم يكن فقط لمجرد اشتراكه في عمل ناجح مع نجوم لهم تاريخ طويل وجمهور عريض، هم أحمد السعدني، وأمينة خليل، ومحمد شاهين، ولكن لأن الدور الذي قدمه كان في غاية الصعوبة والتعقيد، حيث قدم شخصية طفل يتم التحرش به من صديق والده الذي يكن له محبة واحتراما كبيرين..
والحقيقة أن علي البيلي فهم طبيعة هذه الشخصية وهضمها، إلى الدرجة التي حولته بالفعل إلي نجم جماهيري، رغم حداثة سنه.
وجاء موسم رمضان 2026، ليقدم لنا موهبة جديدة، هي الطفل عبدالله كمال عطية، الذي شارك في الموسم الثاني من مسلسل النص، وقد تعلق المشاهدون بأدائه وخفة ظله، إلى درجة أن بعضهم كان ينتظر المشاهد التي يظهر فيها، وكان من المبهر حقا أن يخطف عبدالله قلوب المشاهدين رغم أنه يمثل وسط اثنين من جبابرة الكوميديا الحاليين، هما أحمد أمين ودنيا سامي..
لكنه رغم حداثه سنه ومشاركته في أعمال بسيطة قبل مسلسل النص، كان يخطف الأنظار ويؤدي مشاهده بإحساس يكشف عن فهمه لطبيعة الدور وقصة المسلسل كله.
لذلك فقد أسعدني أن يتم تكريم عبدالله كمال في ختام الدورة 41 من مهرجان المسرح العالمي، وتمنيت أن يقدم صناع السينما والدراما في كل عام موهبة جديدة من أطفالنا، مثلما حدث مع علي البيلي وعبدالله كمال.
ولا أدري لمن يمكن أن نوجه الشكر على هذه الخطوات المهمة، وعلى حد علمي تأتي هذه الاكتشافات بجهود فردية من بعض المخرجين، والمسئولين عن اختيار (الكاستينج) في كل عمل، وهم يستحقون التقدير على ذلك دون شك..
ولكن يا حبذا لو رأينا خطوات مماثلة من مؤسسات الدولة وعلى رأسها وزارة الثقافة، ومسارح الدولة التي تنفرد دون غيرها من المسارح التجارية بتقديم أعمال مسرحية مهمة وذات قيمة، كما يمكن للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية ممارسة نفس الدور..
لأن الموضوع أهم وأكبر من مجرد منح الفرصة لطفل موهوب، فهذه الخطوة لو استمرت وجرى تحويلها لخطة لاكتشاف المواهب في كل أقاليم مصر، سوف نضمن تأسيس جيل جديد من الفنانين المسلحين بموهبة حقيقية، ومن ثم نرى بعد سنوات قليلة كلا من علي البيلي، وعبدالله كمال، وغيرهما من المواهب، وقد تحولوا إلى نجوم شباك في السينما والدراما.
شكرا لمن منح الفرصة للموهوبين ولمن منحنا متعة الفرجة على مواهب بكر، لم تدخل الفن بالواسطة أو ضمن فئة أبناء العاملين!