رئيس التحرير
عصام كامل

رفعت فياض يكتب: خطايا المنظومة التعليمية من عوار "التعليم المفتوح" إلى تجارة "الانتساب".. وقضية الماجستير والدكتوراة المهنية "المضروبة"

رفعت فياض، فيتو
رفعت فياض، فيتو
18 حجم الخط

ما حدث في برامج “التعليم المفتوح” كان سبة في جبين الجامعات الحكومية المصرية و"سبوبة" لها في آنٍ واحد؛ إذ أسرعت جميعها في ذلك الوقت لإدراج هذه البرامج ضمن كلياتها النظرية، مثل: الحقوق، والتجارة، والآداب، والخدمة الاجتماعية، وحتى كليات الإعلام. وتحولت الجامعات من خلال هذه البرامج إلى مجرد ساحات لبيع الشهادات لجميع الملتحقين بها من خريجي التعليم الفني والثانوية العامة بعد مرور خمس سنوات على تخرجهم؛ وهم الذين لم يحالفهم الحظ في الالتحاق بتلك الكليات منذ البداية نظرًا لتدني مجاميعهم، فكان التعليم المفتوح ملاذًا لهم وقتها لشراء شهادات البكالوريوس والليسانس ومساواتهم بالطلاب المنتظمين.

وبعد حدوث كوارث تعليمية نتيجة منح هذه الشهادات لنوعية من الطلاب لا علاقة لها بالتعليم الجامعي، ولم تنتظم يومًا في أي محاضرات إلا نادرًا عبر لقاءات مجمعة بمعدل مرة أو مرتين شهريًا على الأكثر دون أن يعيشوا الأجواء الجامعية أو يتأثروا بها؛ انطلقت حملة “أخبار اليوم” التي قادها كاتب هذه السطور لمدة سبع سنوات بدءًا من عام 2009.

وقد كشفت تلك الحملة عوار التعليم المفتوح وأثبتت أنه بات يمثل خطرًا على الأمن القومي بعد أن وصلت أعداد المقبولين به إلى ضعف أعداد الطلاب المنتظمين؛ إذ كان يتم قبول 2400 طالب سنويًا في برنامج الإعلام بجامعة القاهرة، في حين أن الكلية الرسمية نفسها لم تكن تقبل سوى 400 طالب فقط من خريجي الثانوية العامة والشهادات المعادلة. وبالمثل، كانت كلية الحقوق بجامعة بنها تقبل ما يزيد على 3500 طالب في التعليم المفتوح، بينما لا يتجاوز عدد المنتظمين بها 1500 طالب.

لم يكن الهدف من هذا النظام سوى تحقيق العائد المادي للكليات ولأعضاء هيئة التدريس، خاصة عبر توزيع الكتب والأقراص المدمجة. ونتيجة لحملة "أخبار اليوم"، قرر المجلس الأعلى للجامعات بحضور رؤساء الجامعات وقف برامج التعليم المفتوح نهائيًا عام 2016 بعدما تحول إلى باب خلفي لدخول الجامعة، واستبدله بما يسمى “التعليم المدمج” الذي لا تعادل شهادته الليسانس أو البكالوريوس الأكاديمي. ومنذ ذلك الحين، بدأ هذا النوع من التعليم يتوارى بشكل كبير؛ لأن الهدف الأساسي من البداية كان مجرد شراء الشهادة.

جريمة الانتساب الموجه
ورغم إغلاق ذلك الملف، لا يزال هناك عواران آخران يُطبقان حتى الآن في الجامعات المصرية، وخاصة في الكليات النظرية، وتسببا في زيادة حجم البطالة في المجتمع بشكل خطير.أول هذين العوارين هو ما يُسمى “الانتساب الموجه”، وهو نظام لا يشترط حضور الطالب للمحاضرات، ويُلتحق به من لم يستطع دخول هذه الكليات كمنتظم بسبب ضعف مجموعه. 

وقد تحول هذا النظام وما زال إلى نوع من التجارة وشراء الشهادات، محققًا عائدًا ماديًا ضخمًا للجامعات وأعضاء هيئة التدريس مقابل توزيع الكتب. ولذلك، تم التوسع في القبول بهذه البرامج بصورة تفوق أعداد الطلاب المنتظمين، حتى وصلت نسبة المقبولين به في بعض السنوات إلى 50% من إجمالي المقبولين بالكليات النظرية.لقد أفرزت هذه العملية منتجًا تعليميًا هزيلًا وخريجين غير مؤهلين، مما تسبب في تفاقم نسبة البطالة في المجتمع؛ وهو الأمر الذي حذر منه الرئيس عبد الفتاح السيسي مرارًا وتكرارًا بسبب تكدس خريجي الكليات النظرية بما يفوق احتياجات المجتمع بأضعاف مضاعفة، مطالبًا بالتركيز على البرامج التطبيقية التي تتوافق مع سوق العمل. ورغم تخفيض نسبة المقبولين في الانتساب الموجه مؤخرًا، إلا أنه ما زال يمثل جريمة في حق المجتمع؛ حيث تبيع الكليات شهادات لطلاب لم يتعلموا شيئًا مؤثرًا، بعد أن اعتادوا الكسل طوال العام والجلوس على المقاهي، ثم الذهاب في آخره لأداء الامتحانات.

الماجستير والدكتوراه المهنية
أما العوار الثاني، فيتمثل في برامج “الماجستير والدكتوراه المهنية” بالجامعات الحكومية، والتي بدأت تشهد توسعًا كميًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة في ظل زيادة الطلب عليها كمسار للترقي الوظيفي. ورغم أن هذا التوسع أتاح فرصًا للتعليم المستمر، إلا أن التحليل الواقعي يشير إلى وجود تحديات حادة تتعلق بمدى جودة المخرجات، مما أدى إلى تراجع القيمة السوقية لهذه الدرجات، وضعف القدرة على التمييز بين الكفاءات، وانخفاض الأثر التطبيقي للبرامج.من المفترض عالميًا أن تكون برامج الدراسات العليا المهنية (مثل: $MBA$ و$DBA$) أداة لتأهيل القيادات التنفيذية وربط المعرفة الأكاديمية بالتطبيق العملي؛ بحيث يكتسب طالب الماجستير المهني المهارات التطبيقية والقدرة على اتخاذ القرار، بينما يتدرب باحث الدكتوراه المهنية عمليًّا على حل مشكلات واقعية وتطوير الممارسات الإدارية. إلا أن هذا التوسع في بعض السياقات -خاصة في كليات التجارة- انحرف بالبرامج عن أهدافها، لتتحول إلى مسارات للحصول على شهادات ورقية دون تأهيل حقيقي.

وكما يؤكد الدكتور أمين لطفي، أستاذ المحاسبة ورئيس جامعة بني سويف الأسبق، فإن التوسع في هذه البرامج ارتبط في حالات كثيرة باعتبارات تمويلية وتحقيق عائد مالي أكثر من استجابته لمتطلبات الجودة؛ فلم يصاحبه ضبط كافٍ لمعايير القبول، مما أدى إلى استيعاب أعداد ضخمة دون التحقق من خبراتهم المهنية، مع اعتماد أدوات تقييم تقليدية، وتقديم مشروعات تخرج ذات طابع نظري بحت تتشابه تمامًا مع البرامج الأكاديمية دون اختلاف حقيقي في المضمون.

وقد أدى هذا الوضع إلى تباين جودة البرامج، وضياع القيمة التنافسية للجامعات المصرية، مما دفع بعض الدارسين للتوجه نحو بدائل خارجية أو خاصة ذات جودة أعلى، فضلًا عن إضعاف سوق العمل نفسه بعد مساواة الطالب الجيد بالضعيف وفقدان الثقة في شهادات الـ MBA والـ DBA.

ويحذر الدكتور أمين لطفي من أنه إذا تركت البرامج المهنية دون ضبط، فستتحول إلى مجرد “سوق للشهادات فقط”. ومن هنا، أصبحت هناك حاجة ماسة لصدور حزمة قرارات عاجلة من المجلس الأعلى للجامعات ووزير التعليم العالي لضبط هذه البرامج، تتضمن: اشتراط حد أدنى من الخبرة العملية للملتحقين، وإلزامية المقابلات الشخصية والتقييم المهني قبل القبول، ومنع المشاريع النظرية تمامًا، والالتزام بأن تكون الرسالة عبارة عن مشروع تطبيقي مرتبط بجهة عمل الدارس، وإشراك محكمين خارجيين من القطاع الخاص عند تقييم مشاريع التخرج.

كفانا بيع شهادات لا قيمة لها بالجامعات المصرية، إذا كنا نريد بالفعل علاج هذا العوار، وإعادة القيمة الحقيقية للشهادات الجامعية لترتبط ارتباطًا وثيقًا باحتياجات سوق العمل وترتقي بمستوى الخريج.

الجريدة الرسمية