أنا من يتخذ القرارات، هل حرض ترامب إيران على ضرب إسرائيل لتحجيم نتنياهو؟
نتنياهو سيُضطر إلى قبول أي اتفاق تتوصل إليه أمريكا مع إيران، لأنه لا يتخذ القرارات، أنا من يتخذ القرارات.. تلك العبارات المقتضبة كانت جزءًا من حوار أجراه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مع صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، أظهرت إلى حد كبير انقلابًا حادًّا فى السياسة الأمريكية تجاه الاحتلال الإسرائيلي.
ارتفاع منسوب التوتر بين ترامب ونتنياهو
حديث ترامب الصادم لرئيس الوزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، سبقته تسريبات تشير إلى ارتفاع منسوب التوتر وعدم الثقة بين الطرفين، فقبله بأيام قليلة سرب موقع "أكسيوس" تفاصيل اتصال هاتفي عاصف وبَّخ ترامب خلاله نتنياهو، بدرجة حادة وصلت إلى استخدام ألفاظ نابية، بسبب تمادي رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي في الضربات على جنوب لبنان بزعم تهديدات حزب الله للاحتلال، في وقت سعت إدارة ترامب إلى عقد صفقة بين بيروت وتل أبيب تتناغم مع التهدئة الإقليمية ومذكرة التفاهم المرتقب توقيعها بين واشنطن وطهران.
الخلافات السياسية بين واشنطن وتل أبيب رغم عدم اقتناع العقل العربي بها، وصلت إلى اتصال سري بين ترامب وسارة نتنياهو، زوجة رئيس الحكومة الإسرائيلية، طالبها خلاله بإقناع زوجها بالتراجع عن ضرب لبنان، وهددها بسجنه على خلفية قضايا الفساد التي يحاكم عليها ويوفر له ترامب حماية بطلب العفو المتكرر عنه، كما توعدها بطرد نجلهما يائير من ولاية ميامي الأمريكية التي يقيم فيها، حال عدم توقف "بيبي" عن الجنون.
إسرائيل تتهم نائب الرئيس الأمريكي بتسريب معلومات
التوتر في العلاقات لم يقف عند حد الثنائي "نتنياهو وترامب" بل طال أيضًا جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، الذي اتهمته إسرائيل بتسريب معلومات استخباراتية عن مخطط لإسقاط النظام الأوكراني بتسليح الأكراد، ووفق مزاعم الاحتلال، أن فانس الرافض للتمادي في التصعيد بالشرق الأوسط لتأثيره في حظوظه الانتخابية كمرشح رئاسي محتمل لأمريكا، نقل معلومات المخطط الإسرائيلي لإسقاط النظام الإيراني عبر تسليح الأكراد إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لدفعه للانخراط في التأثير في ترامب لكبح عجلة الحرب الإسرائيلية التي لم تتوقف منذ أكتوبر 2023 عقب طوفان الأقصى.
الموساد يتجسس على المفاوضات بين أمريكا وإيران
الأخطر في سجل العلاقات التي بدأ يصيبها الفتور، هو الاتهامات الأمريكية الصريحة للموساد الإسرائيلي بالتجسس على مجريات جلسات التفاوض بين وفدي الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية بهدف تفخيخها وإفسادها.. عقب هذا الاتهام والتراكمات التي سبقته صدر التوعد الإيراني بقصف الاحتلال، وهو ما نفذه الحرس الثوري مع غروب شمس يوم أمس الأحد، وعلى عكس المعتاد خرج الرئيس الأمريكي بتصريحات هادئة على منصة "تروث سوشيال" تدعو إلى توقف الضربات المتبادلة.
هل حرض ترامب الجانب الإيراني على توجيه ضربة لإسرائيل
وبالرغم من الاستحالة النسبية لاحتمالية تحريض ترامب للجانب الإيراني، على توجيه ضربة استباقية للاحتلال الإسرائيلي، فإن تصريحات الإدارة الأمريكية والمحللين الإسرائيليين أنفسهم تبرهن إلى حد اليقين على مباركة واشنطن لها.. وخلال السطور التالية نرصد 5 أسباب لاحتمالية تحريض الرئيس الأمريكي على الضربة الصاروخية.
أولًا: ترامب شخصية نرجسية واعتاد إصدار الأوامر، وخلال الأيام الماضية حث نتنياهو في أكثر من اتصال هاتفي على التوقف عن ضرب لبنان، خصوصًا أنه تصدى للملف شخصيًّا واستضافت وزارة الخارجية الأمريكية في العاصمة "واشنطن" جلسات بين الطرفين برعاية مارك روبيو، وبدأ الرئيس الأمريكي يتحدث عن اتفاق سلام سوف يفتح الآفاق لتوسيع اتفاقات إبراهيم للتطبيع.
في المقابل، تجاهل نتنياهو ومعسكره في الاحتلال مطالبات ترامب بوقف التصعيد، وبدأت تصدر شخصيات مثل، إيتمار بن غفير، تصريحات ضد الإدارة الأمريكية ووصف تدخل ترامب في الملف بانتهاك السيادة الإسرائيلية، كما تمادى وزير حرب الاحتلال، يسرائيل كاتس، في توسيع الضربات والتهديد بمزيد من القصف والاغتيال متحديًا مطالب الرئيس الأمريكي الذي كشف عن محادثات جرت لأول مرة بينه وبين قيادات في حزب الله بهدف وقف الاقتتال.
ثانيًا: إدارة ترامب باتت على قناعة بعدم إمكانية تحقيق أكثر مما تحقق في الحرب على إيران، وربما تكون على قناعة راسخة بأن خديعة نتنياهو حول التخلص من المرشد الإيراني السابق، علي خامنئي، سوف تفتح باب تحقيق الأمنيات القديمة التي صارت مجرد أوهام وتبخرت، وفوجئت الإدارة الأمريكية بأنها "رفعت حجرًا لتجد أسفله عقربًا" فالمرشد الجديد الابن "مجتبى خامنئي" أكثر تشددًا من والده الراحل ويدير الحرب هو ومجموعة القادة الجدد للأفرع العسكرية بدهاء أكثر من جيل الحكم الذي تم تصفيته بغارات أمريكية وإسرائيلية مشتركة.
ثالثًا: تهديدات ترامب اليومية للجانب الإيراني لم تغلق باب المفاوضات، وعلى ما يبدو فإن محادثات كوشنر وويتكوف مع الجانب الإيراني برعاية الوسطاء الإقليمين كادت تتبلور بعد تذويب نقاط الخلافات في بنود مذكرة التفاهم المتداول الحديث عنها، ومن غير المستبعد، وفق الاتهامات الأمريكية للموساد الإسرائيلي بالتجسس على جلسات التفاوض، رسوخ قناعة أو معلومات أمنية لدى رجل البيت الأبيض عن مخطط إسرائيلي لنسف الاتفاق قبل إعلانه عبر بوابة لبنان وغزة، لإعادة فتح ستارة مسرح حرب الجبهات، وفق ما يطلق عليها نتنياهو، لعرقلة أي اتفاق سلام يخرج أمريكا من معادلة الاصطفاف مع تل أبيب في العدوان على إيران.

رابعًا: عمليًّا أيضًا تدرك واشنطن أن نتنياهو، يحافظ على مستقبله السياسي بالحروب المفتوحة، لاقتناعه بأن وقف الضربات يعني نزع أنبوب الأكسجين عن نظامه المتهاوي، وجميع التحليلات العبرية تشير إلى نقطة واحدة مفادها أنه أخذ الدولة رهينة للهروب من السجن، ويتلاعب بالجيش الذي أصابه الوهن وفق الإحصائيات الرسمية لأعداد القتلى والجرحى والمصابين بأمراض نفسية، وعدم تورعه أيضًا عن استخدام أسلحة محرمة دوليًّا في لبنان، كل هذا وضع واشنطن في حرج بعدما نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية تقريرًا حمل شهادات موثقة عن هذا الملف قبل يومين.
خامسًا: حرب إيران عمليًّا ألحقت ضررًا بالغًا بالإدارة الأمريكية داخليًّا، وتولدت لدى الجمهوريين هواجس من خسارة انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، بسبب تلك الحرب التي تورط فيها ترامب بعدما أقنعه نتنياهو بسهولتها وتحقيق أهدافها في غضون أيام قليلة، ومع دخولها 100 يوم حتى الآن تسببت في أضرار بالغة للاقتصاد الأمريكي ونتج عنها حالة تضخم هائلة طالت أسعار المحروقات والسلع، وبدأ الديمقراطيون في استغلالها في الحملات الانتخابية التمهيدية.
الخلاصة، تماسك إيران خلال 100 يوم حرب وتفاوضها العنيف مثل قتالها، دفعا إدارة ترامب إلى رؤية الصورة من جميع جوانبها، وربما يكون عدو الأمس صديق اليوم، وقد استغله ترامب شخصيًّا لوضع الأغلال في يد نتنياهو قبل أن يُكبِّد الجمهوريين مقاعدَهم ويُحوِّل الرئيس الأمريكي إلى بطة عرجاء حال سيطرة منافسيه على الكونجرس وتحجيم قراراته.




