رئيس التحرير
عصام كامل

ماذا يعني حظر الملاحة في البحر الأحمر بالنسبة لإسرائيل؟

حوثيون على متن سفينة
حوثيون على متن سفينة تجارية احتجزوها أواخر 2023
18 حجم الخط

الملاحة في البحر الأحمر، أعلن المتحدث العسكري لجماعة أنصار الله الحوثي يحيى سريع فرض حظر كامل على الملاحة البحرية التابعة لإسرائيل في البحر الأحمر، مؤكدا أن أي تحركات إسرائيلية في المنطقة ستعد أهدافا مشروعة لقوات الجماعة.

وأكد سريع بدء "تطبيق حظر الملاحة البحرية بشكل كامل وتام على العدو الإسرائيلي في البحر الأحمر"، معتبرا أن"كل تحركات العدو أصبحت هدفا عسكريا لقواتنا المسلحة من لحظة إعلان هذا البيان"، مضيفا: نؤكد أننا سنواجه التصعيد بالتصعيد، وإن عملياتنا العسكرية ستكون متصاعدة بما يواكب الأحداث والمعركة والاشتراك مع محور الجهاد والمقاومة. 

وتابع: نؤكد على حق شعبنا وشعوب أمتنا الحرة في مواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي، وأننا لن نقف مكتوفي الأيدي أمام الحصار الظالم على شعبنا وشعوب محور الجهاد والمقاومة في فلسطين وغزة وإيران ولبنان والعراق، وإن عملياتنا مستمرة طالما استمر العدوان والحصار علينا وعلى محور الجهاد والمقاومة.

ما هو حجم السفن الإسرائيلية التي تعبر البحر الأحمر؟

تشير التقديرات إلى أن حجم وتصنيف السفن الإسرائيلية -أو المرتبطة بإسرائيل- التي تعبر البحر الأحمر متنوع، وتتراوح بين سفن الحاويات التجارية التي تديرها شركة الشحن الإسرائيلية "زيم" بسعات استيعابية ضخمة تصل إلى آلاف الحاويات النمطية، وبين السفن الحربية كسلاح البحرية الإسرائيلي مثل زوارق الصواريخ من طراز "ساعر" والفرقاطات. 

وتدير شركة الشحن الإسرائيلية "زيم" أسطولًا يضم نحو 114 سفينة حاويات بسعات إجمالية تبلغ نحو 699 ألأف حاوية نمطية، وسفن بضائع عامة تستخدم لنقل البضائع والمواد الاستراتيجية الأخرى.

تغير كثير من السفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية مسارها نحو طريق رأس الرجاء الصالح بدلا من العبور عبر مضيق باب المندب
تغير كثير من السفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية مسارها نحو طريق رأس الرجاء الصالح بدلا من العبور عبر مضيق باب المندب

وهناك أيضا السفن العسكرية الإسرائيلية مثل سفن ساعر 5 التي تعتبر من أبرز القطع البحرية التي تعبر البحر الأحمر، ويبلغ طولها نحو 85.6 مترا وتزن قرابة 1275 طنا.

وبسبب المخاطر الأمنية، تقوم العديد من السفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية مثل مينائي أسدود وحيفا إلى تغيير مسارها نحو طريق رأس الرجاء الصالح الأطول بدلا من المخاطرة بالعبور عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

ماذا يعني حظر الملاحة في البحر الأحمر بالنسبة لإسرائيل؟

بالنسبة لإسرائيل، يعني حظر الملاحة في البحر الأحمر منع أو تعطيل مرور السفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية أو الصادرة منها عبر هذا الممر البحري الحيوي، خصوصا عبر باب المندب ثم البحر الأحمر وصولا إلى ميناء إيلات جنوبا.

ويعد ميناء إيلات المنفذ الجنوبي لإسرائيل على البحر الأحمر، ويستخدم للتجارة مع آسيا وأفريقيا، وأي تعطيل للملاحة يحد من قدرة السفن على الوصول إليه أو الخروج منه، وتحديدا فيما يتعلق بالتجارة الإسرائيلية مع آسيا والتي تمثل ثاني أكبر شريك تجاري لإسرائيل بعد الاتحاد الأوروبي، حيث تتجاوز قيمة التبادل التجاري السنوي بين الطرفين 40 مليار دولارا، وتعد الصين والهند المحركان الأساسيان للتجارة الإسرائيلية.

ولا يعزل حظر الملاحة في البحر الأحمر إسرائيل تماما عن العالم؛ إذ إن معظم تجارة إسرائيل تمر عبر البحر المتوسط، وتحديدا من خلال ميناءي ميناءي حيفا وأشدود، وليس البحر الأحمر فقط. لكنه يضعف أحد أهم مساراتها التجارية الجنوبية ويزيد الضغط الاقتصادي عليها بشكل ملحوظ، دون أن يصيبها بالشلل التام.

كيف يؤثر حظر الملاحة في البحر الأحمر على الاقتصاد الإسرائيلي؟

لا يوقف حظر الملاحة في البحر الأحمر الاقتصاد الإسرائيلي، لكنه يضعف أحد مساراته التجارية ويزيد كلفة التجارة ويؤثر على بعض الإمدادات، خصوصا عبر ميناء إيلات والاتصال بآسيا.

ويؤدي حظر الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر إلى ارتفاع التكاليف؛ حيث تتجنب شركات الشحن البحر الأحمر وتلجأ إلى طرق أطول مثل الالتفاف حول أفريقيا، ما يزيد كلفة النقل، ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري، وزيادة استهلاك الوقود.

وبحسب تقرير سابق نشرته جريدة "هآرتس" الإسرائيلية، اعترفت سلطات الاحتلال بالمخاطر التي يمثلها الحوثيون على التجارة الإسرائيلية، مؤكدة أن "جماعة الحوثي أصبحت تشكل تهديدا لمصالح إسرائيل باستهداف سفنها بالبحر الأحمر".

ونقلت الصحيفة، عن مصادر، لم تسمها، تأكيدها أن الحوثيين أصبحوا يشكلون تهديدا على التجارة الخارجية لدولة الاحتلال في البحر الأحمر، خاصة ما يخص الواردات القادمة من شرق آسيا.

تقوم العديد من الدول بحماية باب المندب مثل خفر السواحل الجيبوتية
تقوم العديد من الدول بحماية باب المندب مثل خفر السواحل الجيبوتية

ويفاقم حظر الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر معاناة الاقتصاد الإسرائيلي؛ حيث أدت التوترات والعمليات العسكرية المستمرة في حدوث قفزات غير مسبوقة في تكاليف الشحن والنقل إلى إسرائيل، نتيجة لارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وزيادة أسعار وقود الطائرات، وإغلاق مسارات الملاحة.

وفرضت شركات الشحن البحري رسومًا إضافية تتراوح بين 10% و25% على الشحنات المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية، وارتفعت أسعار الشحن من دول شرق آسيا لتصل إلى 3 أو 4 أضعاف تكلفتها الأصلية بسبب تحويل مسارات السفن، وساهمت هذه الزيادة في ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية في إسرائيل بشكل حاد، نظرا لأن أكثر من 90% من البضائع المستوردة تصل إلى الأراضي المحتلة عبر البحر.

هل يملك الحوثيون نفوذا حقيقا في البحر الأحمر؟

يمتلك الحوثيون نفوذا وعمليات بحرية فعلية ومؤثرة في جنوب البحر الأحمر، تمكنوا من خلالها من تعطيل حركة الملاحة العالمية عبر استخدام ترسانة من الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيرة، والزوارق البحرية. وقد فرضوا واقعا عسكريا جعلهم يتحكمون بشكل مباشر في حركة الملاحة الدولية؛ حيث يسيطرون على السواحل الغربية لليمن المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب الحيوي (مثل محافظة الحديدة)، مما يمنحهم قواعد انطلاق استراتيجية.

أدت هجماتهم إلى تغيير مسار خطوط الشحن البحري الدولية وإجبار العديد من الشركات العملاقة مثل شركة "بي بي" -المعروفة سابقا باسم "بريتيش بتروليوم" والتي تعد إحدى أكبر شركات الطاقة والنفط والغاز المتكاملة في العالم- على تجنب المرور عبر البحر الأحمر، مما تسبب في مضاعفة تكاليف الشحن والتأمين وزيادة مدة الرحلات حول رأس الرجاء الصالح.

ومع ذلك، لا يعني هذا النفوذ السيطرة الكاملة على كامل مياه البحر الأحمر، حيث تنشط في المنطقة تحالفات عسكرية دولية (مثل تحالف حارس الازدهار) لتأمين الملاحة؛ وهو قوة بحرية دولية متعددة الجنسيات أعلنت الولايات المتحدة عن تشكيلها في ديسمبر 2023، بهدف حماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن ومواجهة الهجمات التي تستهدف السفن التجارية المرتبطة بإسرائيل.

هل يمكن للحوثيين استهداف السفن الإسرائيلية دون غيرها؟

نظريا، لا يمكن للحوثيين استهداف السفن الإسرائيلية دون غيرها بشكل دقيق؛ ويرجع ذلك إلى تعدد جنسيات السفن؛ فقد تكون السفينة مملوكة لشركة في دولة، ومسجلة في دولة أخرى (علم الملاءة)، ويديرها طاقم من جنسيات متعددة، وتحمل بضائع لدول أخرى.

كما تلجأ بعض السفن إلى إغلاق أجهزة الإرسال والاستقبال أو تغيير بيانات وجهتها لتجنب الرصد، مما يجعل أي سفينة تمر في نطاق الصواريخ والمسيرات الحوثية عرضة للاشتباه والاستهداف العشوائي في حال عدم استجابتها للنداءات.

والمحصلة، في ضوء هذا التصعيد، يبدو البحر الأحمر أمام مرحلة جديدة من التوترات التي تعيد رسم خرائط الملاحة والتجارة في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية. وبينما تتسع دائرة التهديدات المتبادلة وتنعكس آثارها على خطوط الشحن وأسعار التأمين وسلاسل الإمداد، يبقى الاقتصاد الإسرائيلي أمام كلفة متزايدة لضمان استمرار تدفق تجارته عبر مسارات بديلة أكثر طولا وتعقيدان فيما يظل البحر الأحمر ساحة مفتوحة على كافة احتمالات التصعيد أو التهدئة.

الجريدة الرسمية