من باب الأمل
هل نحن فعلا نحتاج إلى الحرية؟!
إذن، لماذا انزعج في الرابع من أكتوبر 1957 الرئيس الأمريكي "دوايت أيزنهاور" بعدما تنامت الأخبار بإطلاق الاتحاد السوفيتي أول قمر صناعي "سبوتنيك 1" ليكون على اتصال بمحطة أرضية حول العالم، واعتبر في خطابه أن ذلك يشير إلى تدهور في التعليم الأمريكي، ونوهت صحيفة النيويورك تايمز بالقمر الصناعي سبوتنيك في 279 مقالة على مدار خمسة وعشرين يوما بعد ذلك
وواجه "أيزنهاور" ضغطا سياسيا وشعبيا، وانتقادات لاذعة من الكونجرس، والصحافة، والشعب الأمريكي الذين اتهموا إدارته بالتقاعس والنوم أثناء التفوق العلمي للمعسكر الشيوعي، ووصف بعض العلماء الحدث بأنه بيرل هاربر تكنولوجي..
وسريعا أعقب ذلك طفرة هائلة من التغيرات في أمريكا خلال عام وصدر قانون الأمن القومي والتعليم، وتم ضخ مئات الملايين من الدولارات عبر ذلك القانون لتطوير مناهج الفيزياء، والرياضيات، والهندسة في المدارس والجامعات الأمريكية.
والسؤال الحائر صاحب الإجابة البديهية، هل تمكنت أي دولة في العالم من تحقيق أي تقدم ورفاهية لشعبها دون تعليم حقيقي؟ الإجابة البديهية، لم تحقق أي دولة تقدما دون تعليم حقيقي ولن تحقق في المستقبل أي رفاهية دون تعليم تقني حديث، وفي ظني أن السؤال عن الحرية حاليا دون تعليم حقيقي هو قمة العبث..
فالحرية بلا تعليم تتحول إلى فوضى وتضليل جماهيري وهو ما نعيشه حاليا، ففي ظل التعليم المظهري تحولت حياتنا إلى ملهاة كبرى، وتحولت أجهزة الإعلام مع خريجي التعليم المظهري إلى سيرك متخلف، وغياب التعليم الحقيقي مع وجود حريات يسهل على التيارات الشعبوية أو الفاسدة تزييف وعي الجماهير وشراء الأصوات.
التعليم يمنح المواطن القدرة على الفهم والتحليل، مما يجعله قادرًا على ممارسة الحرية بمسؤولية واختيار قادته بناءً على برامج لا على شعارات.
والدعوات المستمرة لتجديد الخطاب الديني ما هي الا دعوة لتعليم حقيقي يمارس فيه العقل دوره النقدي فيما تم توريثه لنا من خزعبلات شكلت ذهنية تقدس كل قديم، وتكره كل جديد، تنقية الخطاب الديني هي دعوة لتعليم حقيقي، تعليم يصنع التقدم، لا تعليم يتعمد افقار العقل مثل تعليم الحفظ والاستظهار، نريد تعليما ينمى وظيفة العقل في التفكير والنقد وإعادة هندسة الحياة بحل مشكلاتها، وللأسف تحولت الدعوة إلى شعار بلا نية حقيقية في التغير.
اليابان بعد الحرب العالمية الثانية جاء على رأس أولوياتها نحو التقدم والحداثة التعليم، وبالمثل في كوريا الجنوبية، وفنلندا، وسنغافورا كلها وضعت التعليم على رأس أولويات الدولة، بداية من تدريب المعلمين واحترام البحث العلمي، وتطوير مناهج التعليم بالمدارس والجامعات إلى ربط التعليم بالإنتاج الصناعي.
ونجد دولا مجاورة لنا امتلكت ثروات هائلة، وبنية تحتية وطرق عملاقة، ومع ذلك لم تحقق نهضة متوازنة بسبب ضعف التعليم أو تدهوره، الدول النامية تحتاج أولًا إلى كوادر متعلمة لبناء الاقتصاد والبنية التحتية، وتوفير الاحتياجات الأساسية (الغذاء والصحة) قبل التفرغ للمطالب السياسية.
التعليم يخلق الإنسان القادر على فهم الحرية، وهذه الحرية تسمح للكفاءات بالعمل والإبداع، ومن ثم الحرية تخلق بيئة قادرة على تطوير كل ما حولنا، الاستثمار في العقول أولى بديهيات التقدم الحقيقي خاصة في حالتنا، حيث الثقافة التقليدية لا ترحب بالحرية بل تخشى حتى من ترديد الكلمة، والسلطات المتعاقبة تتماهى مع تلك الثقافة رغم تشدقها أحيانا بالحريات..
فلا سبيل لنا غير تعليم حقيقي حتى لو لجأنا لهامش من الحرية، وأظن أنه تنطبق علينا معادلة الفيلسوف الألماني" إيمانويل كانت أحد أعظم فلاسفة عصر التنوير، حيث يرى أن الإنسان يولد وهو في حالة من القصور الذاتي والتبعية للآخرين.
والتعليم بالنسبة له هو الأداة الوحيدة التي تنقل الإنسان من العبودية والهمجية إلى التحرر والاستقلال الأخلاقي. البدء بالحرية بلا نظام أو توجيه يُفسد الإنسان ويحوله إلى كائن بري يصعب تقويمه لاحقًا.
