الإذاعة المصرية، بدأت بـ"آية قرآنية وهنا القاهرة" وخذلت السادات في بيان الثورة وأغضبت المشايخ من إحسان عبد القدوس
هنا القاهرة.. الإذاعة المصرية، كلمات كان لها ما بعدها. تاريخ مجيد ودور مؤثر، ففي مثل هذا اليوم 31 مايو 1934، افتتحت الإذاعة المصرية بأن أطلق الفنان أحمد سالم عبارة “هنا القاهرة” فى الساعة الخامسة والنصف من مساء اليوم، ليبدأ بعده إرسال الإذاعة المصرية الذى استمر 92 عامًا حتى الآن.
جاء ذلك تأسيسًا لــ الإذاعة المصرية، تطلق تحت مظلة الحكومة بعد فترة من انتشار الإذاعات الأهلية التى كانت تبث إرسالها باللغة العربية وتذيع برامجها للأجانب باللغات الفرنسية والإيطالية والإنجليزية، وكان معظم أصحاب تلك المحطات الإذاعية من التجار، وتجار أجهزة الراديو بصفة خاصة، من الذين أقاموا المحطات للترويج لتجارتهم وتحقيق مكاسب كبيرة من وراء الإعلانات التجارية التي تبثها، ومنها محطة راديو فاروق، راديو الأميرة فوزية… وغيرها.
تجاوزات أخلاقية بالمحطات الأهلية
إلا أنه عاب بعض المحطات الأهلية تجاوزات أخلاقية في ظل غياب الرقابة، بمغازلة الفتيات، وترويج المخدرات، وتبادل رسائل العشق والغرام، إضافة إلى وصلات الردح والشتائم، ووصل الأمر إلى استخدام المحطة الأهلية لإذاعة أغنية عبد الوهاب (الجو رايق وصافي) في أوقات تهريب المخدرات، بمعنى أن الشرطة غير موجودة.
عقد عشر سنوات مع ماركوني
بدأ التفكير في إنشاء الإذاعة المصرية الرسمية عام 1932. تنبهت الدولة آنذاك إلى خطورة هذه المحطات الأهلية على المجتمع وقررت إيقافها جميعًا والعمل على إنشاء محطة مصرية تتولى الحكومة إدارتها، حيث أقنع إسماعيل صدقي ـ رئيس الوزراء ـ الملك فؤاد بإنشاء محطة رسمية حكومية، ورفض المندوب السامي البريطاني، إلا أنه عاد ووافق بشرط أن تتولى شركة ماركوني الأجنبية الأمر، على أن تبتعد الإذاعة عن السياسة والمصالح الدولية، ووقعت الحكومة المصرية اتفاقًا مع شركة ماركوني الإنجليزية لتتولى إدارة الإذاعة المصرية الحكومية لمدة عشر سنوات، وصدر قرار بإلغاء المحطات الأهلية، ثم انتهى عقد ماركوني عام 1944 وفي عام 1947 تم تمصير الإذاعة المصرية.

وفى الساعة الخامسة والنصف من مساء يوم 31 مايو عام 1934 تم افتتاح الإذاعة الرسمية بعبارة “هنا القاهرة..هنا القاهرة”، ثم بآيات من الذكر الحكيم بصوت الشيخ محمد رفعت.
ذكريات عديدة يتناقلها الإذاعيون جيلًا بعد جيل عن إطلاق إشارة البث الأولى، ولعل أهمها أن مقر الإذاعة الأصلي عكس ما هو شائع لدى الكثيرين أنه في مبنى الشريفين بوسط البلد، بل الحقيقة الغائبة عن الملايين أن الإذاعة انطلق بثها بعبارة "هنا القاهرة" من داخل شارع علوي بوسط البلد، حيث كانت هناك شقة يتم البث منها. ظل البث للمحطة الجديدة من شارع علوي حتى خمسينيات القرن الماضي، الذي شهد انتقال الإذاعة بمقرها في شارع الشريفين والذي لا يزال موجودًا حتى اليوم، وبه عدد من الاستديوهات يتم من خلالها بث إذاعة القاهرة الكبرى حاليًا، قبل أن تنتقل الإذاعة المصرية بمحطات عديدة فيها إلى مبنى ماسبيرو اعتبارًا من عام 1960.

ولا تزال شقة علوي تلك واحدة من أملاك الإذاعة المصرية، وتم منذ سنوات عديدة تخصيصها ناديًا اجتماعيًا للإذاعة يتردد عليه بعض الإذاعيين الكبار والحاليين لتبادل الأحاديث والاستمتاع بالجلوس فيه للقاء والنقاش.
من أشهر الأحداث التي شهدتها الإذاعة المصرية في شارع علوي، هو بث بيان ثورة يوليو بصوت الرئيس الأسبق محمد أنور السادات أحد الضباط الأحرار ــ وقت إذاعة البيان ــ وكان مذيع الاستديو الإذاعي القدير فهمي عمر، الذي حكي فى أوراقه قائلًا: كنت مسؤولًا عن إذاعة الأخبار وتقديم البرامج في ذلك اليوم. أبلغنى السادات أن هناك بعض التعديلات في برامج الإذاعة، وهناك بيان مطلوب إذاعته، ومع الحراسة العسكرية المشددة تقبلت الأمر، وبعد المارش العسكرى تمهيدًا لإذاعة البيان توقف الإرسال في محطة أبي زعبل وأبلغ السادات القيادة بما حدث من القيادات الموالية للملك.. إلا أنه بعد ثلثي ساعة عاد الإرسال في السابعة و13 دقيقة صباحا، ثم قطع الإرسال ثانية، وهذه المرة من مصلحة التليفونات، وثار السادات. وبعد عشر دقائق عاد الإرسال من جديد، وفي السابعة والنصف تمكن السادات من إلقاء البيان بدون أن يذكر اسمه، واكتفى باسم مندوب القيادة، واستمر البيان دقيقتين ونصف دقيقة وبتوقيع اللواء محمد نجيب.
عقبات فى طريق تسجيل البيان
لم يتم تسجيل البيان فى الإذاعة عند إلقائه بصوت السادات الذى ترك الإذاعة عائدًا إلى مبنى رئاسة الجيش، وكان محيي الدين عبد الرحمن قائد سرية المشاة قد احتل دار الإذاعة ومعه مجموعة من الضباط.
وصل مهندس التسجيل أحمد عواد إلى مبنى الإذاعة، وانهالت الطلبات لإعادة إذاعة البيان الذى ألقاه ثانية الصاغ محيي الدين عبد الرحمن على الهواء مباشرة، وتم تسجيله هذه المرة، ونظرًا للأخطاء اللُّغوية التى وقع فيها الصاغ عبد الرحمن أوقفت القيادة إذاعة البيان، وأوكلت القيادة المذيع صلاح زكي لإلقاء البيان بصوته، ثم أذاعه المذيع جلال معوض في نشرة الثامنة والنصف مساء، وأعيد تسجيل البيان بصوت السادات في العيد الأول للثورة.
إحسان عبد القدوس يقدم حديث السهرة
من الذكريات الطريقة أيضًا عن الإذاعة أنه في خمسينيات القرن الماضي كان هناك حديث يشبه السهرة اليومية للكاتب إحسان عبد القدوس، الذي كان يختم دائمًا حديثه للمستمعين بعبارة “تصبحون على حب”، ما استدعى غضب العديد من المشايخ آنذاك واعتبروا في تلك الجملة تلميحات غير مهذبة حسب آرائهم آنذاك، وهو ما جعل المسئولين في دار الإذاعة بذلك الوقت يطلبون من عبد القدوس تغيير تلك الجملة ومنع إذاعتها نهائيًا ليستبدل الكاتب ختام برنامجه بجملة “تصبحون على خير” انصياعًا لحالة الاعتراض التي شهدها حديثه السابق.
الشيخ رفض تلاوة النساء للقرآن
أيضًا وقعت ثورة كبيرة في الأسبوع الأول من إرسال الإذاعة قادها الشيخ محمد رفعت ضد اعتماد أحد الأصوات النسائية لتلاوة القرآن في البرنامج اليومي للإذاعة، على اعتبار أن صوت المرأة عورة، وتم الاحتكام إلى الأزهر الشريف الذي أجاز وقتها تلاوة المرأة للقرآن الكريم.
