رئيس التحرير
عصام كامل

المحمل المصري، حكاية الهودج الذي حمل كسوة الكعبة وأشعل شوق المصريين للحج

محمل الحج المصرى
محمل الحج المصرى
18 حجم الخط

فى مجلة العربى عام 1974 كتب الدكتور محمود بيومى الباحث فى التاريخ الإسلامي مقالا عن محمل الحج المصرى كيف بدأ وتطور ولماذا ألغى، يقول فيه: كان محمل الحج المصري في العصر المملوكي ظاهرة اجتماعى بل وحدث هام إ جانب كونه كان شعيرة دينية لدى المسلمين. وكان هذا المحمل ــــ الهودج ــــ يسير أمام قافلة الحج حاملا الهدايا لبيت الله الحرام محمولا على الجمال.

وقد اختلف المؤرخون حول بداية ظهور المحمل، حيث يرى البعض أن المحمل يعود تاريخه إلى 1247 م حينما سافرت شجرة الدر إلى أرض الحجاز لأداء فريضة الحج ، ويرى البعض الآخر أنه فى عهد الظاهر بيبرس الذي اهتم بالمحمل وطافت الجمال وهي تحمله ومعها كسوة الكعبة عام 1277م ، فكان أول من اتبع هذا التقليد تحفيزا للناس على التقدم لأداء شعائر الحج، وكان يوما مشهودا وهو يعد أول من فعل ذلك فى الديار المصرية، مما أضاف على الحج هالة من القداسة وإثارة  لشوق الناس لتأديته، فجعل بذلك موسم الحج مظهرا اجتماعيا ومناسبة اجتماعية عند المصريين بصفة عامة.

بيت الكسوة لصناعة كسوة الكعبة 

أما كسوة الكعبة الشريفة فكانت تتخرج من بيت الكسوة تحمل على الجمال المزينة ويطوف الموكب بها القاهرة فيما يسمى دوران المحمل، وقد أولى سلاطين المماليك كسوة الكعبة اهتماما كبيرا كل عام، فكان هناك إدارة كاملة تشرف عليها برئاسة ناظر الكسوة.

دوران محمل الحج قبل السفر 

وحرص المصريون على المشاركة فى احتفال دوران  محمل الحج المصرى مرتين سنويا؛ الاولى فى شهر رجب والثانية فى شوال، وكان من عادة المحمل ان يكون له كسوتان كسوته اليومية وهى من القماش الأخضر، أما كسوته المزركشة فلا يلبسها إلا فى المواكب الرسمية، وعندما يصل المدينة المنورة ترفع عنه الكسوة المزركشة ويلبسونه مرة ثانية الكسوة الخضراء، ويضعون الكسوة فى الحجرة النبوية المشرفة.

أحد جمال المحمل محنظة فى قصر المنيل 
أحد جمال المحمل محنظة فى قصر المنيل 

بدأ المحمل مسيرة الحج في عصر المماليك مسيرته من القلعة عند ميدان الرماحة مقر حكم السلطان؛ حيث يجلس السلطان على دكة خشبية أسفل القلعة لاستعراض المحمل بما يحمله من هدايا وأقوات مرسلة للحرمين الشريفين.

يتقدم محمل الحج المصرى أمير الحج وهو من أمراء المماليك الكبار، يسبق المحمل كوكبة من فرسان المماليك متسلحين بملابس الميدان مع دقات الطبول، ثم يشق موكب المحمل شوارع القاهرة مارا بباب زويلة ثم شارع بين القصرين حتى ينتهي إلى بركة الحاج، وهي نقطة التقاء الحجاج لبدء رحلة الحج بالطريق البري.

ضريح يوسف السعدى بباب النصر 
ضريح يوسف السعدى بباب النصر 

بعد انتهاء الحج يعودون بـ محمل الحج المصرى إلى مصر مارا من باب النصر، وتحفظ الكسوة في مخزن بوزارة المالية، وتوجد أجزاء منها فى بضريح محمد على بالقلعة، أما الكسوة الخضراء فيكسى بها بعد العودة ضريح الشيخ يوسف السعدي بجبانة باب النصر؛ لأنه كان يخدم المحمل المصري أثناء حياته في رحاب البيت العتيق، ويؤدى المماليك الصغار بعض الألعاب البهلوانية بالرماح على ظهر خيولهم مع دقات الطبول.

حوادث تعرض لها محمل الحج المصرى 

تعرض المحمل أثناء رحلته من مصر إلى أرض الحجاز للكثير من الحوادث والمضايقات من جانب العربان، ويقول ابن إياس فى تاريخه أنه فى عام 1517 وصل الأمر بالعربان فى اعتراضهم طريق المحمل مطالبتهم المحمل بدفع أموال طائلة ليسمحوا له بالمرور وإلا قاموا بهجومهم عليهم، ومن أهم الحوادث عام 1793 حيث قتل العربان كل أعضاء محمل الحج وأصابوا أميره بالرصاص، وفى عام 1788 تعرض موكب المحمل المصرى للهجوم من العربان ونهبوا البضائع المحملة على ستة آلاف حملا، لكن تصدى أمير الحج للعربان واستطاع الوصول بأفراد المحمل سالمين . 

بعثة الحج المصرية حاليا 
ظل الموكب منتظما سنويا حتى كانت حادثة المحمل الشهيرة عام 1926، والتي حدثت أثناءها معركة بين قوة المحمل والنجديين وجرح فيها ضابط وثلاث جنود مصريين وقتل 25 من النجديين، فكانت نهاية عصر المحمل لتحل محله بعثة الحج الرسمية، وهي لا تحمل أموالا ولا صدقات ولا أسلحة ولا جنود.

الجريدة الرسمية