قبل انطلاق مناسك الحج غدًا، كل ما تحتاج معرفته عن الإحرام وأحكامه لحجاج بيت الله
مع إشراقة فجر يوم التروية، يبدأ حجاج بيت الله الحرام غدًا الإثنين أولى المحطات الإيمانية في رحلة الحج، حيث يتجه ضيوف الرحمن إلى مشعر “منى” بعد الدخول في نُسك الإحرام، لقضاء يومهم وليلتهم هناك استعدادًا للصعود إلى صعيد عرفات الطاهر، الركن الأعظم من مناسك الحج، وفي هذا الإطار، أوضحت وزارة الأوقاف عبر منصتها الرقمية مجموعة من الأحكام الشرعية المتعلقة بالإحرام، تيسيرًا على الحجاج وتعريفًا لهم بآدابه ومحظوراته، وذلك على النحو التالي:
س: ما حكم الإحرام للحج والعمرة قبل الميقات؟
ج: أجمع الفقهاء على صحة الإحرام قبل الميقات المكاني وثبوت أحكامه، لكنهم اختلفوا في حكم تقديمه؛ فاستحبه الحنفية واعتبروا الإحرام من الميقات مجرد رخصة، وكرهه المالكية والحنابلة مفضلين الإحرام من الميقات نفسه، بينما أباحه الشافعية وجعلوه على التخيير بلا كراهة، مع ترجيح الأصح عندهم لأفضلية الإحرام من الميقات اقتداءً بالنبي ﷺ ولتقليل مدة التعرض للمحظورات.
س: ما حكم لبس الجوارب في حال الإحرام؛ لأني لا أتحمل المشي حافيًا؟
ج: الأصل أنه لا يحل للرجل المُحْرِم أن يستر جسمه أو عضوًا منه بشيء من اللباس المَخِيط المُحِيط؛ لقوله ﷺ: «لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ» [متفق عليه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما].
والضابط في المَخِيط هو: "لبس كل شيء معمول على قدر البدن أو بعضه بحيث يحيط به بخياطة..، ويستمسك عليه بنفسه". [المبسوط للسرخسي ٤/ ١٢٧].
وأجاز بعض الحنفية لُبْس الجوارب ونحوها إذا كانت غير ساترة للكعبين اللذين في ظاهر القدمين، سواء وجد المُحْرِم نعلين أم لم يجد؛ لأن ما لا يستر الكعبين هو في معنى النعلين، وعليه؛ يجوز لبس الجوارب المقطوعة أسفل الكعبين للحجاج مطلقًا كما هو قول الحنفية تيسيرًا، وقد أجازه غير الحنفية إذا لم يجد المُحْرِم النعل أو وجده بأكثر من ثمنه المعتاد. [معراج الدراية في شرح الهداية قوام الدين الكاكي الحنفي ٣/٦٢].
س: ما حكم استعمال كريمات (واقي الشمس) والمظلة المثبتة على الرأس (طاقية المظلة) للمُحْرِم؟
ج: يجوز شرعًا للمُحْرِم استخدامُ كريم الواقي الشمسي إذا لم يُضَف إليه مادة عطرية، وكذلك إن كانت به رائحة خفيفة من أصل تركيبه الطبي ولَيْسَتْ لغرض التَّطَيُّب والتَّزَيُّن، فلا فدية عليه، وإن كان الأَوْلَى استخدام الخالي من العطور خروجًا من الخلاف.
أما قبعة المظلة الشمسية (التي تُثبت بشريط مطاط وتبقى مرتفعة عن الرأس): فيجوز استعمالها إذا دعت الحاجة؛ لدفع حرارة الشمس، ويلزم المُحْرِم إذا استعملها يومًا كاملًا إخراج صَدَقَة (إطعام مسكين) دون الفدية الكاملة؛ لأن الشريط لا يغطي ربع الرأس، والأَوْلَى استعمال المظلة (الشمسية) المحمولة باليد خروجًا من الخلاف.
س: ما مدى صحة طواف وسعي من يعاني من تبول وتبرز لا إرادي؟ وهل يجوز له دخول الحرم المكي والنبوي وهو يرتدي الحفاظة؟
ج: تُشترط الطهارة لـلطواف؛ وطهارة مَن به سَلَس تكون بأن يتوضأ لكل صلاة (أو لطوافه)، فإذا توضأ لم يلتفت إلى ما يخرج منه بعد ذلك، ولكن بشرط أَلَّا يؤدي طوافه إلى تلويث المسجد الحرام، فإذا ضمن عدم التلويث بلبس الحفاظات ونحوها مما يمنع التلويث، فله أن يطوف وطوافه صحيح من غير حرج عليه في ذلك. أما السعي ومجرد دخول المسجد فلا يُشترط فيهما الطهارة، فيجوز له دخول المسجد الحرام والمسجد النبوي مع مراعاة ما سبق التنبيه عليه من لبس ما يضمن عدم وصول شيء من النجاسة إلى المسجد أو المسعى.

س: أثناء طواف العمرة أخرجت ريحًا؛ فأتممت طوافي دون إعادة الوضوء، فهل عليَّ حرج في ذلك؟
ج: مَن أحدث في طوافه فعليه أن يقطعه فيتوضأ ثم يعود فيستأنف طوافه خروجًا من الخلاف، فإن شَقَّ عليه ذلك؛ لشدة الزحام، فيجوز له أن يبني على ما طافه ويُكْمِل تقليدًا لمذهب الحنفية، والإمام أحمد في رواية، وطواف السائل هاهنا صحيحٌ على قول الحنفية ومَن وافقهم؛ خاصةً أنه قد عاد إلى بلده وانتهى الأمر، ولكن يلزمه ذبح شاة، ويمكنه أن يقلد ما ذهب إليه بعض الفقهاء من أن الطهارة في الطواف سُنةً وليست شرطًا؛ وممن قال بذلك "ابن شجاع" من الحنفية، و"المغيرة" من المالكية، قال الإمام اللخمي المالكي: "قال المغيرة: فيمن طاف بغير وضوء: يعيد ما كان بمكة، فإذا أصاب النساء وخرج إلى بلده أجزأه، ولا شيء عليه" [التبصرة للخمي ٣/ ٨٥٠]، وقال الإمام الحدادي الحنفي: "ثم الطهارة ليست بشرط في الطواف عندنا..، فقال ابن شجاع: سنةً؛ لأن الطواف يصح من غير وجودها". [الجوهرة النيرة للحدادي ١/ ١٧١].
س: أحيانًا وأنا أطوف لا أقدرُ على إتمامِ الطوافِ دفعةً واحدة، فأجلسُ لالتقاطِ أنفاسي لأقدرَ على إكماله، فما حكم الشرع في ذلك؟
ج: الاستراحة في الطواف بعذرٍ -كالاستراحة لعدم القدرة على إتمامه دفعةً واحدة- وكذلك الاستراحة القصيرة التي لا تقطع الموالاة، لا خلاف بين الفقهاء في عدم تأثيرها على صحة الطواف، أما الاستراحة الطويلة بدون عذرٍ فهي وإنْ كانت لا تُؤثِّر في صحة الطواف، إلَّا أنَّ الأَوْلَى تركها؛ مراعاةً لخلافِ الفقهاءِ في كونها مُؤثِّرةً في صحةِ الطوافِ مِن عدمه.
س: ما حكم التطوع بأقل من سبعة أشواط في الطواف بالبيت؟
ج: يجوز شرعًا لمن أراد التطوع بـالطواف أن يطوف أي عدد شاء من الأشواط المتوالية، ويُستحب له أن يكون العدد وترًا؛ سواء زاد عن السبع أو نقص، ولا يُشترط أن يتم طوافه سبعًا عند بعض الفقهاء، وإن كان الأفضل إتمام السبعة خروجًا من خلاف السادة المالكية الذين اشترطوا في صحة الطواف (حتى التطوع) أن يكون سبعة أشواط كاملة.
س: هل عليَّ شيءٌ إذا تركت الاضطباع أو لم أرمُل في الطواف بسبب الزحام، أو وجود نساء محارم معي، أو ضَعف البِنية، أو غير ذلك من الأعذار؟
ج: الرَّمَلُ في اصطلاح الفقهاء هو: "إسراع المشي، مع تقارب الخُطَى من غير وَثْبٍ" [شرح العلامة الزركشي على مختصر الخرقي ٣/ ١٩٢]، والاضْطِباع في اصطلاح الفقهاء هو: "أن يشتمل المُحْرِم بردائه على مَنْكِبِهِ الأيسر، ومِن تحت مَنْكِبِهِ الأيمن، حتى يكون مَنْكِبُهُ الأيمنُ بارزًا؛ أي مكشوفًا" [الأم للإمام الشافعي ٢/ ١٩٠]، والرَّمَل والاضطباع من سُنن الطواف التي يختص بها الرجال؛ وذلك في كلِ طوافٍ بَعدَه سعيٌ، ويكون الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى منه، ويمشي في الأشواط الأربعة الباقية مع بقائه على هيئة الاضطباع في كل الطواف.
فإن ترك المُحْرِم الرَّمَلَ في الشوط الأول أتى به في الشوطين الثاني والثالث، ولو تركه في الأول والثاني أتى به في الثالث فقط، ولو تركه في الثلاثة الأشواط الأولى لم يقضه في الأربعة الباقية، ولا يجب عليه شيءٌ بتركه؛ سواءٌ تَرَكَهُ عمدًا لغير عذرٍ أو سهوًا، وهذا في حال السعة، فإن تركه المُحْرِمُ لعذرٍ؛ كعدم التَّمَكُّنِ منه بسبب شدة الزحام، أو وجود نساءٍ معه، أو ضَعف البِنية: فإنه لا يُطلب منه الإتيان به أصلًا، ويكون مثابًا عليه حينئذ؛ لنيته، وكذلك الاضطباع؛ لا يجب عليه شيء بتركه، ولا حرج عليه.
س: ما آخرُ وقت يصح فيه طواف الإفاضة؟ وإذا أخَّر الحاج طوافه عن هذا الوقت فهل يلزمه دم؟
ج: طواف الإفاضة ركنٌ من أركان الحج لا يسقط إلَّا بأدائه، ووقتُه يبدأ بعد دخول نصف ليلة النَّحر، ويُسْتَحَبُّ فعله في أيام النحر (١٠، ١١، ١٢ من ذي الحجة)، ويجوز أداؤه بعدها في أي وقتٍ يتمكَّن الحاجُ من أدائه فيه بلا حَرَج، فالمختارُ للفتوى: أنَّ وقتَ طواف الإفاضة لا حَدَّ لآخرِه؛ فمتى فعله الحاج بعد دخول وقته أجزأه وليس عليه دم؛ تيسيرًا ورفعًا للحرج، وإن كان الأَوْلَى المبادرةَ بأدائه متى تَمَكَّنَ منه.

س: هل يُجزئ أن أجمع بين طوافي الإفاضة والوداع في طواف واحد بنيتين؟
ج: تأخير طواف الإفاضة إلى آخر مكث الحاج بـمكة ليُغْنِيَ عن طواف الوداع جائزٌ شرعًا، ولا يضر ذلك أداءُ السعي بعده، فقد أجاز المالكية والحنابلة الجمعَ بينهما في طواف واحد؛ بناءً على أن المقصود هو أن يكون آخرُ عهدِ الحاج هو الطواف بالبيت، وهذا حاصلٌ بـطواف الإفاضة؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: "أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِضِ" [متفق عليه]، وقال سيدي أبو البركات الدردير المالكي: "وَتَأَدَّى الوداعُ بِالإفاضةِ وَبِطوافِ العُمْرةِ، أي سَقَطَ طَلَبُهُ بِهِما وَيَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ طَوَافِ الوَدَاعِ إنْ نَوَاهُ بِهِمَا" [الشرح الكبير ٢/ ٥٣]، وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي: "فَإِنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ فَطَافَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ... يُجْزِئُهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ، وَقَدْ فَعَلَ" [المغني ٣/ ٤٠٤].
س: أقمتُ بـ مكة يومًا بعد طوافي للوداع؛ للاستعداد للسفر مع الرفقة، فهل يلزمني إعادة طواف الوداع قبل السفر؟
ج: طواف الوداع الذي أديته حصل به توديعكَ البيت، وليس عليك -بإقامتك يومًا بعده لانشغالك بتجهيزات السفر- إعادةُ الطواف؛ لأن هذا لا يُعَدُّ إقامةً حقيقيةً، فإنك لم تنوِ اتخاذ مكة دارًا للمكث، والفقهاء متفقون على أن المكث بعد الطواف للاشتغال بأسباب الخروج (كتحميل الأمتعة، وانتظار الفوج، ومواعيد الطيران) لا يوجب الإعادة، وإن استغرق ذلك يومًا أو أكثر. قال الإمام ابن قدامة: "فَأَمَّا إنْ قَضَى حَاجَةً فِي طَرِيقِهِ... لَمْ يُعِدْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِقَامَةٍ تُخْرِجُ طَوَافَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ" [المغني ٥/ ٣٣٩].




