تراجع الالتزام الأمريكي تجاه الناتو يدفع باريس لتوسيع مظلة الردع في أوروبا.. فرنسا تعزز ترسانتها النووية وتوسع تعاونها العسكري مع الحلفاء.. وجدل كبير حول قدرتها على قيادة القارة العجوز
في ظل تصاعد الشكوك الأوروبية بشأن مستقبل التزام الولايات المتحدة بحلف الناتو، تتجه فرنسا نحو إعادة صياغة دورها العسكري والنووي داخل القارة.
وبين ضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الحلفاء الأوروبيين، ومساعي إيمانويل ماكرون لتعزيز "الردع الاستباقي"، تبرز تساؤلات متزايدة حول قدرة باريس على قيادة الأمن الأوروبي في مواجهة التهديدات الروسية المتصاعدة.
في مارس 2026، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن عقيدة "الردع الاستباقي" فيما يتعلق بمستقبل السياسة النووية الفرنسية، سواء من حيث الإعلان أو الاستخدام، مع تأكيد القيادة الفرنسية على حجب الأرقام الفعلية للمخزون النووي عن العامة لأسباب أمنية، بحسب مقال رأي نشره موقع "ذا ناشيونال نترست".
المقال كتبه أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية بنسلفانيا فرع برانديواين، والمتخصص في شؤون الأسلحة النووية ستيفن سيمبالا.
يقول الكاتب: شكلت تصريحات ماكرون أهم تحول في الموقف النووي الفرنسي منذ عقود، حيث أشارت إلى استعداد العقيدة النووية الفرنسية الجديدة لتولي دور أكبر في الدفاع الأوروبي، وذلك من خلال ثلاث عناصر رئيسية هي:
أولا: زيادة فرنسا لحجم قوتها النووية الرادعة (قوة الردع) للمرة الأولى منذ عام 1992. وينطلق هذا الإجراء من فرضية أن القوة النووية الحالية غير كافية لبسط الردع خارج حدود فرنسا.
ثانيا: السماح لباريس بنشر طائرات مسلحة نوويا بشكل مؤقت في الدول الحليفة، في رسالة تعكس التزام فرنسا تجاه شركائها الأوروبيين.
ثالثا: ستعمل فرنسا بشكل أوثق مع حلفائها لتطوير فهم مشترك لطبيعة التهديد الروسي، وللتنسيق بشأن إدارة السيطرة على التصعيد في سياق حرب تقليدية. وستشمل المرحلة الأولى من هذا التعاون زيارات لمواقع استراتيجية و/أو مناورات مشتركة مع ألمانيا والمملكة المتحدة وست دول أخرى من حلف الناتو.

يضيف سيمبالا: يعكس قرار ماكرون حاجة ملحة لرفع كفاءة الردع النووي الفرنسي. كما يمثل بيانا سياسيا حول شكوكه بشأن التزام الولايات المتحدة تجاه حلف الناتو. فعلى الرغم من التحسينات التي طرأت على جاهزية أوروبا الدفاعية، استمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في انتقاد حلف الناتو ووصفه بالضعيف والمتطفل على الجيش الأمريكي. وقد أعلن ترامب عن نيته سحب 5000 جندي أمريكي من ألمانيا، وألمح في أكثر من مناسبة إلى ضرورة انسحاب الولايات المتحدة من الحلف.
ثلاثة أسباب وراء استمرار تجاهل واشنطن لأوروبا
يرجع الكاتب استمرار تجاهل واشنطن لبروكسل والعواصم الأوروبية الأخرى إلى ثلاثة أسباب رئيسية، أولها شعور ترامب بالإحباط لعجزه عن التفاوض على وقف إطلاق النار واتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا، على الرغم من مزاعمه بأنه لو كان في البيت الأبيض عام 2022، لما اندلعت الحرب أبدا.
أما السبب الثاني فيتعلق بالحرب الأمريكية على إيران، والتي شنها دون استشارة حلفاء الناتو أو إبلاغهم مسبقا. ومن المفهوم أن القادة الأوروبيين كانوا مترددين في تقديم دعم عسكري لعملية "الغضب الملحمي"، التي أصبحت أطول وأكثر تعقيدا مما توقعه ترامب، بحسب المقال.
ويضيف: يتعلق السبب الثالث بمضيق هرمز، حيث أدى الجمود في مضيق هرمز إلى تعطيل سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع أسعار الوقود الأحفوري والأسمدة في جميع أنحاء العالم، مما قد يسبب تداعيات سلبية على الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية عام 2026.
وبغض النظر عن تجاهل واشنطن لأوروبا، ظل الأعضاء الأوروبيون في الناتو ثابتين على التزامهم بدعم أوكرانيا طالما دعت الحاجة. وتم التوصل إلى اتفاق يسمح لحلفاء الولايات المتحدة في أوروبا بشراء أسلحة من الولايات المتحدة وتزويد أوكرانيا بها، في إطار اتفاقية شراء فوري؛ فيما التزمت الولايات المتحدة بتحديث قدراتها النووية الرادعة، ولا سيما الثالوث النووي الاستراتيجي الذي يوفر الردع النهائي ضد الدبلوماسية النووية القسرية الروسية، من خلال إنفاق 71.4 مليار دولار على الجيل القادم من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ الباليستية التي تطلق من الغواصات، وغواصات الصواريخ الباليستية، والقاذفات الاستراتيجية المزودة بأسلحة بعيدة المدى، مدعومة بأنظمة قيادة وسيطرة واتصالات نووية محسنة.
القوة النووية الفرنسية
يقول الكاتب: من الواضح أن القوة النووية الفرنسية التي تضم مئات الرؤوس الحربية، مع أنظمة إطلاق تشمل صواريخ باليستية تطلق من الغواصات وطائرات برية وبحرية، لا يمكنها أن تحل محل الردع النووي الأمريكي، ولا يقصد بها ذلك. بل إن النظام الفرنسي يستخدم للردع الوطني، ويشكل، إلى جانب قوة الغواصات البريطانية المزودة بالصواريخ الباليستية، رادعا إقليميا محتملا ضد أي مغامرات نووية روسية دون مستوى الأسلحة النووية الاستراتيجية.
ويضيف: منذ بداية الحرب الروسية ضد أوكرانيا، اعتاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تذكير المجتمع الدولي بأن روسيا، في ظل ظروف معينة من الشدائد في الحرب التقليدية، قد تلجأ إلى استخدام الأسلحة النووية غير الاستراتيجية أو التكتيكية كخيار أول. وتتميز هذه الأسلحة بمدى أقصر وقوة تدميرية أقل من الأسلحة الاستراتيجية، ويمكن إطلاقها من منصات برية وبحرية وجوية، وقد يصل عددها إلى 2000 سلاح. وفي المقابل، تنشر الولايات المتحدة نحو 200 سلاح نووي غير استراتيجي في قواعدها في أوروبا وتركيا.
عمليات نشر القاذفات الأمريكية
"لا يعد هذا التفاوت في عدد الأسلحة النووية غير الاستراتيجية مثيرا للقلق كما قد يبدو، لأن طبيعة تخطيط الولايات المتحدة للحرب النووية تغيرت منذ الحرب الباردة. وتشمل الخطط العملياتية الأمريكية الحالية كامل نطاق القدرات النووية والتقليدية، الحركية وغير الحركية، ضمن خطة شاملة واحدة. ومن المتوقع أن توفر القوات النووية الأمريكية خيارات للتصعيد التدريجي والاستجابة المرنة"، بحسب المقال.

يقول سمبالا: لتحقيق هذه الغاية، عدلت القيادة الاستراتيجية الأمريكية عمليات نشر القاذفات الأمريكية والمناورات العسكرية لتوفير دعم إضافي للقيادة الأوروبية الأمريكية. من المتوقع الآن أن تقوم فرق العمل القاذفة بنقل قوة قاذفات أمريكية جاهزة للقتال بالكامل إلى مسرح العمليات الأوروبي في الوقت المناسب، وقد ازداد عدد عمليات القاذفات فوق أوروبا، بما في ذلك الرحلات الجوية بالقرب من الحدود الروسية، منذ أن غزت روسيا أوكرانيا.
تعزيز مرونة صواريخ كروز النووية البحرية
وإضافة إلى الأسلحة التي تطلق من القاذفات، تسعى إدارة ترامب إلى تعزيز مرونة صواريخ كروز النووية البحرية لنشر أسلحة ذات قدرات تدميرية متغيرة، بهدف ردع استخدام الأسلحة النووية بشكل محدود من قبل الخصوم، وطمأنة حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا، وفق الكاتب.
ويضيف: تفترض فرنسا، عن حق، أن الردع لا يقتصر على الحجم النسبي للقوات العسكرية (بما فيها النووية)، بل يشمل أيضا مدى الحزم الذي يظهره الحلفاء والأعداء المحتملون. ويرى ماكرون أنه لا ينبغي لروسيا أن تتوقع أن أوروبا الديمقراطية سترهب بتهديدات حرب نووية محدودة، لأن هذا التهديد (في نظر روسيا) أكثر واقعية من الحرب النووية الاستراتيجية. كما لا ينبغي لروسيا أن تتوقع أن دعم فرنسا لحلف الناتو يمنع نشر منصات إطلاق نووية فرنسية خارج الأراضي الفرنسية. وستساهم التدريبات الفرنسية مع دول الناتو الأقرب إلى حدود روسيا في إيصال هذه الرسالة.
ويختتم الكاتب مقاله بالقول: إن تبني فرنسا لعقيدة عسكرية أكثر تقدما لا يعد تراجعا عن التزامها بالأمن الأوروبي. ولا يعد ذلك بديلا عن الردع النووي الأمريكي؛ حيث يدرك ماكرون أنه في الواقع، لا في الخطابات، لا تستطيع الولايات المتحدة الانفصال كليا عن حلف الناتو، ولا يستطيع الناتو الانفصال عن الولايات المتحدة، وأن الركيزتين الأمريكية والأوروبية لحلف الناتو، كما قد يقول الفرنسيون، "محكوم عليهما بالنجاح" معا.
- الفيديو المرفق يتضمن تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يؤكد فيها أنه أمر الجيش الأمريكي باستئناف تجارب الأسلحة النووية فورا، للمرة الأولى منذ 33 عاما، محملا دولا أخرى مسؤولية هذا القرار؛ حيث قال ترامب للصحفيين، أثناء وجوده على متن مروحية "مارين ون": مع قيام دول أخرى بإجراء تجارب نووية، أعتقد أنه من المناسب أن نقوم نحن أيضا بذلك.




