رئيس التحرير
عصام كامل

مع انشغال العالم بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران.. انتهاء معاهدة "نيوستارت" يقود العالم لسباق تسلح نووي ثلاثي الأقطاب.. وتحذيرات من خطر الانزلاق إلى الفوضى النووية

قاذف صواريخ باليستية
قاذف صواريخ باليستية روسية عابرة للقارات مزود برأس نووي
18 حجم الخط

في وقت تتجه فيه أنظار العالم إلى التصعيد العسكري في الشرق الأوسط والحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، يجري ورءا ستائر الغرف المعتمة تحول استراتيجي أخطر يتعلق بمستقبل التوازن النووي العالمي.

وفي ظل انتهاء العمل بمعاهدة "نيوستارت"، المعروفة أيضا باسم "ستارت الجديدة"، والتي فقدت فعاليتها منذ 5 فبراير 2026، تتزايد المخاوف من أن تستغل القوى النووية الكبرى هذا الفراغ الاستراتيجي لإطلاق سباق تسلح نووي واسع النطاق.

وفي السياق، يقول تقرير نشره موقع "ذا ناشيونال إنترست": على مدى أكثر من نصف قرن، ومنذ انطلاق محادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجيةفي سبعينيات القرن الماضي، كان القادة الأمريكيون والسوفييت (ولاحقا الروس) يعملون وفق القيود المتفاوض عليها حول أسلحتهم النووية. لكن تلك الحقبة انتهت الآن، ولم تعد هناك حدود قانونية لعدد الرؤوس النووية الاستراتيجية المنتشرة، ولا تبادل إلزامي للبيانات، ولا عمليات تفتيش ميدانية، ولا عقد لمنتديات أو اجتماعات تستهدف معالجة المخاوف بشأن الامتثال بالحد من التسلح النووي أو البحث عن أي تسوية لخلافات قد تنشأ بسبب الملف النووي لكلا البلدين.

موسكو وواشنطن تستغلان انتهاء نيوستارت

من جهته، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء المعاهدة بأنه فرصة للعمل نحو "معاهدة جديدة ومحسنة ومحدثة"، مشددا على ضرورة إشراك الصين في أي ترتيبات مستقبلية حول هذا الملف. 

جانب من الأسلحة النووية الأمريكية
جانب من الأسلحة النووية الأمريكية

وفي المقابل، اقترحت روسيا أن يلتزم الطرفان طوعا بالقيود العددية القديمة للرؤوس النووية لمدة عام إضافي، وهو اقتراح لم توافق عليه واشنطن رسميا حتى الآن. والنتيجة هي فراغ استراتيجي؛ إذ بات بإمكان أكبر قوتين نوويتين في العالم، من حيث المبدأ، إضافة المزيد من الرؤوس النووية إلى أنظمة الإطلاق القائمة دون شفافية أو حدود متفق عليها.

عالم نووي ثلاثي الأقطاب

بحسب تقرير "ذا ناشيونال إنترست"، فإن المعاهدة قامت على فكرة "الثنائية القطبية لضبط التسلح النووي"، على اعتبار وجود لاعبين رئيسيين إثنين يتمتعان بقوة متقاربة ورغبة مشتركة في تحقيق قدر من التوقع والاستقرار. أما اليوم، فنحن نعيش في عالم نووي ثلاثي الأقطاب يزداد تعقيدا ويتجه نحو تعددية مراكز القوة؛ حيث شهدت الترسانة النووية الصينية نموا سريعا، إذ تشير التقديرات إلى امتلاك بكين لنحو 600 رأس نووي بهاية العام الماضي 2025. 

ويضيف: تتوقع وزارة الحرب الأمريكية ومصادر أمريكية مستقلة ارتفاع هذا العدد إلى 1500 رأس نووي بحلول عام 2035. ويشمل هذا التوسع إنشاء حقول جديدة لصوامع الصواريخ، وصواريخ باليستية عابرة للقارات متنقلة، وصواريخ باليستية تطلق من الغواصات، إضافة إلى قاذفات قادرة على الوصول إلى الأراضي الأمريكية.

صاروخ نووي روسي متوسط المدى
صاروخ نووي روسي متوسط المدى

ويتابع: تتصاعد المخاطر بسرعة؛ وفي ظل غياب آليات التحقق، يتعّن على واشنطن وموسكو الاستعداد لأسوأ السيناريوهات؛ فبدون تبادل البيانات وعمليات تفتيش، سيفترض كل طرف أن الطرف الآخر يعمل على تعظيم قوته النووية، مما يخلق حلقة متبادلة من الفعل ورد الفعل حتى لو يسعى أي من الطرفين إلى التصعيد.

التقنيات الناشئة تزيد من خطورة الوضع

ويحذر التقرير من أن تزايد التقنيات الناشئة يزيد من خطورة الوضع، مضيفا: المركبات الانزلاقية فرط الصوتية، وأنظمة القصف المداري الجزئي، والثغرات السيبرانية في شبكات القيادة والسيطرة، وأنظمة الإنذار المبكر المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار الفضائية، جميعها تقلص زمن اتخاذ القرار. وفي ظل هذه الظروف، تصبح الأزمات التقليدية -سواء في أوروبا أو آسيا- أكثر خطورة نوويا، لأن التمييز بين التهديدات النووية وغير النووية يصبح أكثر صعوبة. 

كما تزيد المنصات القادرة على حمل أسلحة نووية وتقليدية في الوقت نفسه من هذا الغموض، ما يرفع خطر سوء التقدير؛ إذ قد يجري تصنيف إطلاق صاروخ تقليدي لأسباب تقليدية على أنه بداية صراع نووي، وفق "ذا ناشيونال إنترست".

مخاوف دول الجنوب العالمي من سباق التسلح النووي

يقول التقرير: ستلاحظ الدول غير النووية هذه التطورات مع اقتراب انعقاد مؤتمر مراجعة معاهدة "حظر انتشار الأسحة النووية"، والتي من المقرر عقدها في نيويورك خلال الفترة من 27 أبريل إلى 22 مايو 2026. ومن المتوقع أن يتساءل مندوبو دول الجنوب العالمي والدول غير المنحازة عن السبب الذي يدفع الدول المالكة للأسلحة النووية إلى مطالبتهم بالالتزام بتعهدات عدم الانتشار، في الوقت الذي تقوم فيه هذه القوى بتخفيف القيود المفروضة على ترساناتها النووية.

ويتابع: يبدو أن الصفقة الأساسية لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية -والمتمثلة في نزع السلاح مقابل الالتزام بعدم الانتشار- أصبحت أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

دعوات لوقف الانزلاق نحو فوضى نووية

 والمحصلة بحسب "ذا ناشيونال إنترست"، أنه ينبغي على واشنطن أن تتبنى نهجا عمليا يركز على المستقبل، وأن تعلن عن وقف أحادي لمدة ستة أشهر لإضافة رؤوس نووية جديدة تتجاوز المستويات الحالية، مع دعوة روسيا والصين علنا لاتخاذ خطوة مماثلة، ما يوفر وقتا إضافيا للجهود الدبلوماسية؛ وأن تبدأ تلك الجهود بحوار مصغر بين الولايات المتحدة وروسيا والصين يستهدف وضع سقف إجمالي لعدد الرؤوس النووية، والتحقق من ذلك عبر مزيج من الوسائل التقنية الوطنية وصور الأقمار الصناعية التجارية وأنظمة المراقبة عن بعد المعززة بالذكاء الاصطناعي.

ويختتم التقرير بالقول: من خلال الانتقال من الاتفاقيات الثنائية القديمة إلى نهج متعدد الأطراف أكثر استدامة وشمولا، يمكن للولايات المتحدة أن تسهم في وقف الانزلاق نحو فوضى نووية.

الجريدة الرسمية