رئيس التحرير
عصام كامل

ما حكم ادخار جميع لحم الأضحية وعدم توزيع جزء منها على الفقراء؟ الإفتاء تجيب

لحوم الأضحية، فيتو
لحوم الأضحية، فيتو
18 حجم الخط

ورد سؤال إلى دار الإفتاء يقول فيه صاحبه: "ما حكم ادِّخار جميع لحم الأضحية، وعدم توزيع جزء منها على الفقراء؟"، وجاء رد الدار على هذا السؤال كالتالي: 

المختار للفتوى في حكم الأضحية

مِن المقرَّر أنَّ الأضحية مطلوبة شرعًا من المكلف القادِر عليها؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]؛ قال الإمامُ البيضاوي في "تفسيره" (5/ 342، ط. دار إحياء التراث): [قد فُسرت الصلاة بصلاة العيد، والنحر بالتَّضحية] اهـ.

وقد روى الترمذي في "سننه" عن أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «ما عمِلَ آدميٌّ مِن عمل يوم النَّحر أحبّ إلى الله مِن إهراق الدَّم، إنه ليأتي يومَ القيامة بقرُونها وأشعارِها وأظلافِها، وأن الدَّم ليقع مِن الله بمكان قبل أن يقَعَ مِن الأرض، فطِيبُوا بها نفسًا».

والمختار من أقوال العلماء أنها سنة مؤكدة؛ وذلك لما رواه أحمد في "مسنده" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ثلاث هنَّ عليَّ فرائض، وهنَّ لكم تطوع: الوتر، والنحر، وصلاة الضحى».

السنة في تقسيم وتوزيع الأضحية

السُّنة في  الأضحية أن يجمعَ المضحّي بين الأكل مِن أضحيته، والتصدُّق على الفقراء، وادِّخار جزء منها؛ والأصلُ في ذلك: ما رواه الشيخان عن سلمةَ بن الأكوع رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «مَن ضحَّى منكم فلا يُصبِحنَّ بعد ثالثة وبقي في بيتِهِ منه شيءٌ» فلمَّا كان العامُ المقبل، قالوا: يا رسولَ الله، نفعَلُ كما فعَلْنا عام الماضي؟ قال: «كُلُوا وأطعِمُوا وادَّخِروا؛ فإنَّ ذلك العام كان بالنَّاس جهد، فأردت أن تُعِينوا فيها».

وقد حُكِي الإجماع على أنَّ الجمع بين الأكل والصدقة سُنةٌ حسنةٌ؛ قال الإمام ابنُ حزم الأندلسي في "مراتب الإجماع" (ص: 153، ط. دار الكتب العلمية): [واتفقوا أنَّ مَن أكل أضحيته وتصدَّق بثلثها وأكَلَ قبل انقضاءِ اليوم الثالث مِن يوم النَّحر أنه قد أحسَنَ، واختلفوا فيمَن لم يأكُل منها أو لم يتصدّق أو ادَّخر بعد ثلاث؛ عصى أم لا] اهـ.

نصوص فقهاء المذاهب في هذه المسألة

قد تتابعت نصُوصُ فقهاءِ المذاهب الأربَعة على هذا المعنى؛ فقال الإمام فخر الدين الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" (6/ 8، ط. الأميرية، بولاق): [قال رحمه الله: (ويَأكُلُ مِن لحْمِ الأُضْحِيَة، ويُؤكِلُ غنيًّا، ويدَّخِر)... والنصوص فيه كثيرةٌ، وعليه إجماعُ الأمة، ولأنَّه لما جاز له أن يأكل منه هو، وهو غني فأولى أن يجوز له إطعام غيره، وإن كان غنيًّا] اهـ.

حكم انتفاع المضحي بالأضحية كلها دون أن يعطي شيئا منها للفقراء

أمَّا ادِّخار جميع الأضحية من أجْل أكلها - وهو المسؤول عنه - فقد اتَّفق الفقهاءُ على أنَّ الأكْل مِن الأضحية مطلوبٌ؛ قال ابنُ رشد في "بداية المجتهد" (2/ 201، ط. دار الحديث): [واتفقوا على أنَّ المضحّي مأمورٌ أن يأكلَ مِن لحم أضحيتِهِ ويتصدَّق] اهـ.

واختلفوا في درجةِ هذا الطلب؛ قال ابنُ هبيرة في "اختلاف الأئمة العلماء" (1/ 339، ط. دار الكتب العلميَّة): [واختلفوا في قدر ما يأكلُ منها ويتصدَّق ويُهدى] اهـ.

ولمَّا كان المقصودُ مِن وراء هذه الشَّعيرة هو تقوى لله سبحانه وطاعتَه، فإنَّ العلماء قد نصَّوا على صورة خارجة عن محِل النزاع، وهي: ما لو كان المضحِّي فقيرًا وذا عِيال، فيجوز له أكلُ أضحيته كلها عندئذٍ بلا خلافٍ، والأصلُ في ذلك: ما رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «ابدأ بنفسِك فتصدَّق عليها، فإنْ فضَل شيء فلأهْلِك، فإن فضَل عن أهْلِك شيءٌ، فلذِي قرابتِك، فإن فضَل عن ذي قرابتِك شيء فهكذا وهكذا».

قال أبو العباس القرطبيُّ في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (3/ 51، ط. دار ابن كثير): [هذا الحديث دليلٌ على مراعاةِ الأوكَدِ فالأوكَدِ] اهـ.

وقد ذهب الحنفية إلى أنه يجوز للشَّخص المضحِّي أكلُ أضحيته كلِّها، ولا شيء عليه في ذلك.

ومذهبُ المالكيَّة هو كراهة أكل الأضحية كلِّها، دون التصدُّق بشيء منها.

وذهب الشافعيةُ والحنابلة إلى إيجاب التصدُّق بأقلّ شيء يتناوله هذا اسمُ اللحم، فلا يجُوز له أكلُ الجميع، ويضْمنُ هذا القدْر الذي تناوَلَه الاسمُ إن أكله.

المختار للفتوى في هذه المسألة

المختار للفتوى هو رأي المالكية في جواز ذلك مع الكراهة؛ إذ في الوجوب إثم، فضلًا عن الضمان، وهو أمر شاق على المكلف، وفي الأمر سعة.

بناء على ذلك فنقول: الأضحية سنةٌ مؤكدة، والمشروعُ فيها أن يجمَع الشَّخصُ بين الأكل والتصدُّق والادِّخار، ويكره أكل الأضحية كلِّها، دون التصدُّق بشيءٍ منها، ولا ضمان على المضحِّي إن فعل.

الجريدة الرسمية