رئيس التحرير
عصام كامل

د. عبد المنعم عمارة لـ"فيتو": قاطعت مباريات الدراويش.. بنيتُ الإسماعيلي "طوبة طوبة".. اللجان المعينة خرّبت النادي.. وأحضرتُ مستثمرين سعوديين وهربوا لهذا السبب

عبد المنعم عمارة
عبد المنعم عمارة
18 حجم الخط

الدكتور عبد المنعم عمارة.. "دينامو" الإدارة، أسطورة الزمن الجميل، والوزير الذي روّض المستحيل.. في تاريخ الإدارة المصرية رجالٌ لم يمروا مرور الكرام، بل تركوا بصماتٍ غائرة غيّرت وجه الخريطة الشبابية والرياضية لعقود.. وفي صدارة هؤلاء العمالقة، يبرز اسم واحد كعقد فريد من الحنكة، والكاريزما، والإنجاز؛ إنه الدكتور عبد المنعم عمارة، وزير الشباب والرياضة الأسبق، ومحافظ الإسماعيلية الأسطوري، والرجل الذي ارتبط اسمه بكل ما هو استثنائي.

لم يكن مجرد مسؤول يجلس خلف مكتب مغلق، بل كان "دينامو" يتحرك على الأرض.. حين تولى حقيبة الشباب والرياضة، ضخّ دماءً جديدة في عروق الرياضة المصرية، وبنى بنية تحتية شبابية صمدت لسنوات، محولًا الوزارة إلى خلية نحل لا تهدأ، ومؤسسًا لمفهوم "الإدارة بالحب والحزم" في آن واحد.


لكن، إذا أردت أن تبحث عن قلب "الوزير" وعشقه الأول، فعليك أن توجه وجهك شطر "عروس القناة".. هناك في الإسماعيلية، لم يصنع عمارة تاريخًا للمحافظة كحاكم إقليمي فحسب، بل كتب بمداد من ذهب السطور الأجمل في تاريخ النادي الإسماعيلي.

في عهده ورعايته، عاش "الدراويش" زمنهم الجميل، وتحول برازيل مصر إلى قوة ضاربة ترعب المنافسين، وتوّجت تلك الحقبة التاريخية بالبطولة الاستثنائية للدوري العام عام 1991، في ملحمة كروية لا تزال جماهير الأصفر تتغنى بها حتى اليوم، كشاهد على عصر "البروفيسور" الذي عرف كيف يزرع الفرحة في قلوب شعب الإسماعيلية.

عبد المنعم عمارة يحل اليوم عبر صفحات فيتو في حوار خارج خطوط الدبلوماسية.. نفتح فيه دفاتر الذكريات، ونفتش عن أسرار العصر الذهبي، ونستشرف منه مستقبل الرياضة المصرية بعيون خبير لا تخطئ بوصلته.. وإلى نص الحوار..

دكتور عبد المنعم، نبدأ من الوجع الحالي.. كيف ترى المشهد الحزين الذي يعيشه النادي الإسماعيلي الآن، وهو يترنح بعد تأكده من الهبوط لدوري القسم الثاني؟


سأكون صادقًا معك، الإسماعيلي ليس مجرد نادٍ شجعته، الإسماعيلي "حتة مني"، وأنا لم أعد أحتمل حتى مجرد مشاهدة مبارياته الأخيرة! أعصابي لا تتحمل حرفيًا، وأنا أرى جزءًا من تاريخ عبد المنعم عمارة، وجزءًا من عمري يقع وينهار أمام عيني.

يتحدث البعض عن تاريخك مع النادي وكأنك مشجع عادي، لكنك عاصرت وصنعت مجد هذا النادي.. ما هي حقيقة دورك في بناء "الدراويش"؟

أنا من عاصرت الدراويش في عصرهم الذهبي، وشاركت في بنائه "طوبة طوبة".. قدمت للنادي في كل المناصب؛ سواء كنت وكيلًا لمجلس الإدارة وقت الراحل العظيم عثمان أحمد عثمان، أو عندما توليت مسؤولية محافظ الإسماعيلية، أو حتى عندما صرت رئيسًا للمجلس الأعلى للشباب والرياضة (الوزير).. كنت شاهدًا شريكًا على صولات وجولات الإسماعيلي في الدوري المصري بطلًا، وفي أفريقيا سيدًا للقارة.

 

بمناسبة فترة وجودك كوكيل مع الراحل عثمان أحمد عثمان.. هناك سر تاريخي لم يُكشف بالكامل حول استقالتك المفاجئة وقتها، ما السبب الحقيقي؟

نعم، سأكشف لك السبب.. تقدمت باستقالتي من المجلس فورًا بعدما تأكدت من أن المهندس صلاح حسب الله —وهو الوكيل الثاني معي في المجلس وقتها— كان يقوم بمنح اللاعبين مبالغ مالية "من تحت الترابيزة"!

عندما تحولت من مقعد الإدارة بالنادي إلى مقعد "محافظ الإسماعيلية".. كيف سخّرت سلطتك لخدمة النادي؟


عندما توليت منصب محافظ الإسماعيلية، أخذت على عاتقي إعادة إحياء النادي؛ بنينا النادي من جديد، وقمنا بإنشاء مقصورة رئيسية محترمة تليق باسم الإسماعيلية وضيوفها، ووضعنا البنية التحتية التي جعلت النادي قادرًا على تفريخ النجوم والمنافسة.

 

انتقلت بعدها لقيادة الرياضة المصرية كاملة كوزير للشباب والرياضة، ورغم ذلك اتهمك البعض بالانحياز للإسماعيلي.. كيف أدرت تلك المرحلة؟


عندما توليت الوزارة، تبنيت استراتيجية واضحة لحماية الأندية الجماهيرية كلها، وعلى رأسها الإسماعيلي بالطبع.. كنت أشرف على الدراويش من بعيد بحكم منصبي، بوجود قامات فنية عظيمة مثل الكابتن "شحتة" والكابتن علي أبو جريشة، وبوجود أعضاء مجلس إدارة مخلصين مثل رأفت عبد العظيم، وبفضل هذا التناغم بنينا فريقًا مرعبًا فاز بالدوري مطلع التسعينيات (عام 1991).

 

الجماهير تتذكر صفقات تاريخية غيرت مسار الكرة المصرية مثل "محمد بركات" و"مجدي الصياد".. ما هي كواليس هذه الصفقات التي كنت بطلها الخفي؟


(يبتسم ويتذكر) أنا فاكر كويس.. أنا من أحضر محمد بركات للإسماعيلي من نادي السكة الحديد بـ3 آلاف جنيه فقط! حدث ذلك بعد حديث طويل مع الكابتن أبو العلا فرحات، وقبل بالمبلغ، وبالمقابل قمنا بإنارة استاد السكة الحديد كدعم من الوزارة.. أما مجدي الصياد، مهاجم دمياط، فقد كنت أنا شخصيًا وراء تحويل وجهته للاعتزال أو اللعب للإسماعيلي وليس للأهلي، وهو ما أشعل غضب الإعلام الأهلاوي ضدي.

ذكرت الإعلام الأهلاوي.. هل فعلًا تعرضت لهجوم ضارٍ بسبب دعمك للدراويش؟


تعرضت لهجوم عنيف وضارٍ من الإعلام الأهلاوي، وخاصة من الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ عبد المجيد نعمان، لمجرد أنني كنت أدعم الإسماعيلي وأحافظ على استقراره، لكنني لم أكن أفعل ذلك انحيازًا أعمى، بل لإيماني الشديد بالعدالة الرياضية.

 

هل هذا الإيمان بالأندية الجماهيرية هو ما دفعك لإصدار قرار وزاري تاريخي لم يتكرر؟
بكل تأكيد؛ أصدرت قرارًا رسميًا في وزارة الشباب والرياضة يقضي بموجبه أن تتحمل الوزارة بالكامل رواتب الجهاز الفني، والإداري، والطبي لكافة الأجهزة الفنية بالأندية الجماهيرية.. كان لدينا قناعة راسخة بأهمية ورسوخ الأندية الشعبية، وأن بقاءها هو بقاء للكرة المصرية.

دعنا ننتقل للواقع المرير.. واجهت الدكتور أشرف صبحي، وزير الشباب والرياضة السابق، بكلمات قاسية في المطار.. ماذا دار بينكما؟

نعم، حدث ذلك بالفعل، حيث التقيته في المطار وأنا عائد من السويد بعد تلبية دعوة الدكتور حسن مصطفى، رئيس الاتحاد الدولي لكرة اليد، لحضور المونديال.. واجهت الدكتور أشرف صبحي بكل صراحة، وحمّلته مسؤولية ما حدث للإسماعيلي، وقلت له وجهًا لوجه: "اللجان المعينة خرّبت النادي"، وعاتبته بشدة على الاستماع لكلام المغرضين الذين دمروا استقرار القلعة الصفراء.

هل حاولت تقديم حلول استثمارية لإنقاذ النادي بعيدًا عن أموال الدولة؟


تحركت بنفسي وأحضرت شركة سعودية كبرى للاستثمار في النادي الإسماعيلي وإعادته إلى سابق عهده وقوته، ولكن الكارثة أنه بعد أن جلس ممثلو الشركة مع اللجان المعينة داخل النادي، أصيبوا بالإحباط وصرفوا النظر تمامًا عن الفكرة وهربوا!

وماذا عن وزير الشباب والرياضة الحالي، السيد جوهر نبيل؟ هل هناك تحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟
قمت بزيارة الكابتن جوهر نبيل في مكتبه لتهنئته والمباركة له بعد توليه الحقبة الوزارية، وطالبته صراحة بضرورة التدخل السريع لإنقاذ الدراويش. الرجل أوضح لي أن لديه خطة بالفعل لإنقاذ النادي، ولكن بكل أمانة، لم تظهر معالم هذه الخطة على أرض الواقع حتى الآن، والوقت يمر سريعًا.

في رأيك.. من يتحمل المسؤولية التاريخية في تجريف النادي الإسماعيلي من نجومه حتى وصل لهذه الحالة؟
المهندس إبراهيم عثمان (رئيس النادي الأسبق) يتحمل جزءًا كبيرًا جدًا من المسؤولية. فبعد أن تركنا له وللنادي فريقًا مرعبًا وقويًا يضم جيل الأساطير: أحمد حسن، محمد بركات، عماد النحاس، أحمد فتحي، وغيرهم.. فرّط في هؤلاء اللاعبين وباعهم جميعًا بعدما تركت أنا الوزارة، ومن هنا بدأت رحلة الانهيار والتجريف التي يدفع النادي ثمنها اليوم.
 

الجريدة الرسمية