قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت.. وُلد ورحل في اليوم نفسه ٩ مايو ١٨٨٢ - ٩ مايو ١٩٥٠
الشيخ محمد رفعت صوتٌ بدأ وانتهى في التاسع من مايو
في التاسع من مايو عام ١٨٨٢، وُلد طفل صغير في حارة «المغربلين» بالقاهرة القديمة، داخل عالم لم يكن يعرف بعد أن هذا الطفل سيصبح أحد أكثر الأصوات تأثيرًا في تاريخ التلاوة القرآنية في مصر والعالم الإسلامي.
وبعد ثمانية وستين عامًا، وفي التاريخ نفسه، رحل الشيخ محمد رفعت في التاسع من مايو عام ١٩٥٠، وكأن حياته اختُزلت في يومٍ واحد بدأ فيه الصوت وانتهى، وبقي أثره ممتدًا لعقود لا تزال حاضرة حتى اليوم.
هو الشيخ محمد رفعت، الملقب بـ«قيثارة السماء»، أحد أبرز قرّاء القرآن الكريم في العصر الحديث، وصاحب الصوت الذي ارتبط في الذاكرة الجمعية المصرية بالخشوع والسكينة، وأول من افتتح بث الإذاعة المصرية بتلاوة القرآن الكريم عام ١٩٣٤.










طفل فقد بصره فامتلك بصيرة الصوت
أصيب الشيخ محمد رفعت بفقدان البصر في طفولته المبكرة، وهو ما شكّل نقطة تحول حاسمة في مسار حياته. ألحقه والده بكُتّاب مسجد فاضل باشا في درب الجماميز بحي السيدة زينب، وهناك بدأ رحلته مع حفظ القرآن الكريم.
أتم حفظ القرآن كاملًا قبل أن يبلغ العاشرة، في وقت كانت فيه ملامح موهبته الصوتية تتشكل بهدوء داخل جدران المسجد.
لكن الحياة لم تمنحه وقتًا طويلًا للاستقرار؛ إذ توفي والده وهو لا يزال طفلًا، فوجد نفسه مسؤولًا عن أسرته في سن مبكرة. ومع ذلك، ظل القرآن هو الملاذ والطريق، حتى عُيّن قارئًا بمسجد فاضل باشا وهو في الخامسة عشرة من عمره.
منذ تلك اللحظة، بدأ صوته يلفت الانتباه، ليس فقط لجماله، بل لقدرته على نقل المستمع إلى حالة من الصفاء الداخلي، حيث تمتزج التلاوة بالإحساس العميق بالمعنى.
وقد وُصف حينها بأنه كان يقرأ «بإيمانٍ كامل بما يتلوه»، وهو ما منحه تأثيرًا مختلفًا عن غيره من القرّاء.
ألقاب وصدى يتجاوز الميكروفون
عُرف الشيخ محمد رفعت بعدة ألقاب لافتة ظلّت تلازمه، من أبرزها: «بلبل الإذاعة»، و«صوت الملائكة»، و«قيثارة السماء» وهي ألقاب لم تُطلق اعتباطًا، بل جاءت انعكاسًا لتجربة استماع استثنائية صنعتها تلاوته للقرآن الكريم.
لم يكن صوته مجرد أداء ديني يُبث عبر الإذاعة، بل حالة وجدانية متكاملة، امتزج فيها الإحساس الروحي بالقدرة الفنية الفائقة على تطويع المقامات وإيصال المعنى قبل اللفظ. هذا التميز جعل صوته يتجاوز حدود المسجد إلى الفضاء العام، حيث كانت البيوت والمقاهي تتوقف عند لحظة بث تلاوته وكأن الزمن يهدأ احترامًا للصوت.
وقد لفت الشيخ محمد رفعت انتباه كبار المثقفين والفنانين في عصره، فحظي بإعجاب واسع من رموز الموسيقى والغناء، من بينهم الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي رأى في صوته نموذجًا نادرًا في الإحساس والتعبير، كما ارتبط بعلاقات تقدير مع عدد من أعلام الفن والثقافة مثل زكريا أحمد ونجيب الريحاني.
وتتواتر روايات تاريخية عن إعجاب شخصيات بارزة من العالم العربي بصوته، من بينها الملك فاروق الأول والملك عبد العزيز آل سعود، وإن كان المؤكد أن تأثير صوته تجاوز كل الطبقات الاجتماعية والسياسية، ليصل إلى العامة والخاصة دون استثناء.















ومع بداية البث الإذاعي، أصبح صوته جزءًا من الذاكرة اليومية للمصريين، حيث تحولت لحظة بث تلاوته إلى حالة انتظار جماعي، خاصة في ليالي رمضان، حين تتجمع الأسر حول الراديو لسماع صوته.
من مسجد فاضل باشا إلى الإذاعة المصرية
في عام ١٩٣٤، ومع انطلاق الإذاعة المصرية، كان الشيخ محمد رفعت أول من افتتح البث بتلاوة القرآن الكريم، بعد أن استفتى علماء الأزهر حول جواز إذاعة التلاوة عبر الأثير.
وفي الحادي والثلاثين من مايو من العام نفسه، وقف أمام الميكروفون للمرة الأولى، وافتتح البث بآيات من سورة الفتح: "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا".
ومن تلك اللحظة، خرج صوته من جدران مسجد صغير في السيدة زينب إلى ملايين البيوت في مصر والعالم العربي، ليصبح جزءًا من الحياة اليومية، لا مجرد صوت يُسمع.
كما تنافست إذاعات عالمية في لندن وباريس وبرلين على تسجيل صوته، وعُرضت عليه دعوات مالية ضخمة للسفر والتلاوة خارج مصر، خاصة من الهند، لكنه رفض كثيرًا من تلك العروض، متمسكًا بالبقاء داخل بلده وبرسالته الدينية.
«إن قارئ القرآن لا يُهان»
في أوائل الأربعينيات، أُصيب الشيخ محمد رفعت بسرطان الحنجرة، وهو المرض الذي أنهى رحلته مع التلاوة تدريجيًا، حتى فقد صوته تمامًا عام ١٩٤٣.
وعندما علمت شخصيات من العالم الإسلامي بحالته، أُرسلت إليه مساعدات مالية للعلاج، لكنه رفضها جميعًا، وردّ بعبارته الشهيرة:
«إن قارئ القرآن لا يُهان».
ظل الشيخ في سنواته الأخيرة بعيدًا عن الأضواء، يعيش حياة هادئة داخل منزله، حتى رحل في التاسع من مايو عام ١٩٥٠، في اليوم نفسه الذي وُلد فيه.
وعند وفاته، قطعت الإذاعة المصرية برامجها ونعته بعبارة مؤثرة:
«أيها المسلمون.. فقدنا اليوم علمًا من أعلام الإسلام».

الصوت الذي لم يغِب
رغم مرور أكثر من سبعين عامًا على رحيله، لا يزال صوت الشيخ محمد رفعت حاضرًا في الذاكرة السمعية والوجدانية للمصريين والعالم العربي.
في رمضان، تعود تلاواته إلى البيوت والمساجد، وكأن الزمن لم يتحرك، حيث يلتف الناس حول صوته باعتباره حالة من الطمأنينة والخشوع لا تتكرر.
وبين التاسع من مايو ١٨٨٢ والتاسع من مايو ١٩٥٠، عاش الشيخ محمد رفعت حياة قصيرة نسبيًا، لكنها كانت كافية ليصنع أثرًا يتجاوز الزمن، ويمنح صوته خلودًا لا يحتاج إلى صورة أو حضور، بل يكفيه أن يُسمع
