جودة عبد الخالق لـ"فيتو": الحكومة تضلل الشعب.. اختلالات الموازنة تكشف المسكوت عنه في السياسة المالية.. العملة الأوكرانية لم تتعرض لما أصاب الجنيه المصري من تراجع حاد
"متى يستقيم الظل والعود أعوج"، بهذه الاستعارة بليغة الدلالة يفتح المفكر الاقتصادي والأكاديمي البارز ووزير التموين الأسبق الدكتور جودة عبد الخالق النار على المسكوت عنه في السياسات المالية المصرية في حوار لا يعرف أنصاف الحلول، حيث يضعنا أمام مرآة الواقع كاشفا عن "الثقوب السوداء" التي تلتهم موازنة الدولة من صناديق سيادية وخاصة، وهيئات اقتصادية تعمل خارج السرب، وصولا إلى فلسفة الاقتراض التي تحولت إلى قدر لا مفر منه، ففي هذا الحوار لا يقدم ضيفنا مجرد قراءة رقمية للحساب الختامي بل يرسم روشتة مغايرة ترى أن مفتاح النجاة للاقتصاد المصري يبدأ من بوابة الإصلاح السياسي أولا.
وإلى نص الحوار..
بداية، كيف تقرأ حالة السجال البرلماني الراهنة حول "الحساب الختامي" للموازنة؟
في الواقع هذا السجال ليس مجرد نقاش عابر، بل هو صلب العمل البرلماني ويجب أن نتذكر أن البرلمان سواء بنظام الغرفة الواحدة أو الغرفتين (النواب والشيوخ) يقوم على ازدواجية الوظيفة: وهي الرقابة والتشريع، فالعلاقة المفترضة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية يجب أن تسير وفق منطق العين والحاجب، وبحكم الدستور والمنطق السياسي ينبغي أن يكون البرلمان هو الحاجب الذي يحمي ويراقب، بينما تمثل الحكومة العين التي تعمل تحت هذا الغطاء الرقابي، لكن وبكل صراحة هناك علامات استفهام كبيرة حول هذه العلاقة في الوقت الحالي؛ إذ يبدو أن الآية قد انعكَست فباتت الحكومة هي التي تلعب دور الحاجب المهيمن، بينما تراجع البرلمان ليصبح هو العين التي تكتفي بالمشاهدة وهو ما يفرغ السجال حول الحساب الختامي من جوهره الرقابي الحقيقي ويجعله مجرد إجراء شكلي في نظر الكثيرين.
بالانتقال إلى الأرقام والموازنة العامة، يرى البعض أن الأزمات الاقتصادية الحالية هي مجرد انعكاس لظروف عالمية قهرية، فما رأيك؟
دعنا نضع النقاط على الحروف فالاقتصاد في جوهره ما هو إلا انعكاس للسياسة وما يحدث بها، والبرلمان وفقا لضوابط دستورية فى المادة 124 يلزم الحكومة بتقديم مشروع الموازنة قبل بدء السنة المالية بـ٩٠يوما، وبالتالى الاختلال الاقتصادى يتم بفعل فاعل، لأن الاقتصاد هو انعكاس للسياسة وما يحدث بها، ومن هنا يمكن القول إن الاختلالات هي نتاج قرارات اتخذتها الحكومة على شكل قوانين، وبالتالي فهي تعكس أولويات قوى مختلفة في المجتمع وجزء من هذه الاختلالات ناجم عن ظروف طبيعية مثل السيول أو الفيضانات والكوارث، لكن الجزء الأكبر ينتج عن قرارات سياسية متعمدة تصدر سواء عن طريق تشريع من البرلمان أو من جهة تنفيذية، وهذه القرارات تخلق أوضاعا يمكن وصفها بالاختلالات، والحالة المصرية في عجز الموازنة الكبير تعكس مصالح مسؤولين حكوميين والقوى المنفذة من رجال الأعمال، بالإضافة إلى أسواق تم تنظيمها بطريقة تحمي الاحتكار والمحتكرين، وتؤدي إلى انخفاض قيمة العملة منذ عام 2016 وحتى الآن.
والحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن الحكومة تمتلك قاموسا مضللا خاصة في عالم يموج بالمتغيرات نجد أنفسنا نبتكر كلمة "تحديات" في كل مناسبة وهذا نوع من التدليس لتبرير إخفاقات وإخلاء المسؤولية، وفيما يتعلق بعجز الموازنة العامة تسارع الحكومة إلى الاقتراض والجزء الأكبر داخليا والجزء الأقل خارجيا وهنا يجب التوقف عند الاقتراض الداخلي الذي يعني أن إنفاق الحكومة يفوق الإيرادات وتعوض الفارق بطباعة النقود، ويتم ذلك عبر أدوات قصيرة الأجل تسمى "أذون خزانة" وأخرى طويلة الأجل تسمى "سندات خزانة"، وفي الواقع تطلب الحكومة من البنك المركزي طباعة النقد وهو ما يؤدي إلى ضخ كميات كبيرة من النقود في السوق والنتيجة طبعا زيادة الطلب على السلع وارتفاع الأسعار وكأنها ضريبة تضخم مفروضة على المواطن والأخطر هنا أنها تصدر بلا قانون.
ومن المهم الإشارة إلى أنه في الحساب الختامي لعام 2024 /2025 تجاوزت الإيرادات الضريبية التقديرات بنسبة 4%، وهو أمر إيجابي، ومع ذلك فإن نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي البالغة 12.6% تعد منخفضة مقارنة بالدول المشابهة من الاقتصادات الناشئة والنامية، مما يشير إلى أن المنظومة الضريبية لم تصل بعد إلى طاقتها العادلة خاصة في ظل وجود قطاع غير رسمي ضخم وثروات غير خاضعة للضريبة.
وكيف يتم التعامل مع هذه الاختلالات فى الموازنة ؟
للتعامل مع هذة الاختلالات هناك شق سياسي وهو ضبط العلاقة بين السلطة التشريعية وهى البرلمان والسلطة التنفيذية وهى الحكومة، بحيث يكون للبرلمان قدرة على أداء دوره الرقابى والتشريعى، فمثلا الحساب الختامى اعترض عليه بعض النواب، والحكومة لم تغير شيئا فهى تستشعر أنها أقوى من البرلمان بدليل استهانة بعض الوزراء وعدم الحضور الى البرلمان، ولذلك نرى أن الإصلاح الاقتصادي يحتاج بالضرورة إلى إصلاح سياسي وكما يقول بيت الشعر "متى يستقيم العود والظل أعوج" فالأمر يشبه "الذهب الفالصو" الذي لا يرقى لقيمته الحقيقية، وإذا طبقنا هذا على الواقع فإنه إذا كان ميدان السياسة معوجا فلا يمكن أن نتوقع إصلاحا حقيقيا للاقتصاد، وبالتالي يصبح الإصلاح السياسي ضرورة من خلال تحقيق استقلالية السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية.
ولعل ما جرى في الحوار الوطني من حديث عن الإصلاح السياسي لم ينفذ بعد علما أن الإصلاح السياسي يأتي في المقام الأول قبل الإصلاح الاقتصادي، فبتطبيق هذا الإصلاح يجب أن يكون الداخل قبل الخارج والمواطن قبل الحجر مع وضع أولويات وطنية صارمة ترتكز على الإنتاج الحقيقي في الزراعة والصناعة قبل أي شيء آخر، وكذلك على استقرار قيمة العملة الوطنية، فعلى سبيل المثال في عام 2016 كان الجنيه المصري يعادل نحو 12 سنت أمريكي والدولار يعادل 8 جنيه بينما انخفض الجنيه تدريجيا حتى وصل سعر الدولار إلى 50 جنيه، أي أقل من 2 سنت أمريكي، هذا التدهور أدى إلى زلزال اجتماعي واقتصادي انعكس في ارتفاع معدلات الفقر والجريمة نتيجة الأزمة الاقتصادية العميقة.
هل مثل هذه الاختلالات موجودة فى موازنات دول أخرى وكيف تعاملت معها؟
ما حدث للعملة الوطنية أي الجنيه المصري يمثل أكبر اختلال في الاقتصاد، فحتى لو نظرنا إلى أوكرانيا التي تعيش حالة حرب منذ ما يقرب من أربع سنوات نجد أن عملتها لم تتأثر بشكل كبير والتضخم لم يسقطها، في حين وصل التضخم لدينا في إحدى السنوات إلى 40% وبالتالي لا توجد دول شهدت مثل هذه الاختلالات حتى إيران التي تعيش في حالة حرب وتخضع لعقوبات اقتصادية شديدة.
الأمر الأكثر غرابة أن الولايات المتحدة لديها قانون يلزم الحكومة بالإعلان عن سقف الدين الذي لا يجوز تجاوزه إلا بموافقة الكونجرس، بينما لدينا سردية تقول إن قلة الادخار تجبرنا على الاستدانة وكل السياسات لدينا تحض على الاقتراض الذي أصبح كأنه فلسفة اقتصادية، فمعدل الادخار في مصر حوالي 2% ومع ذلك يمكن أن أجادل الحكومة بأن مصر ليست من أفقر دول العالم فهناك دول كثيرة أفقر من مصر ومعدل الادخار فيها أعلى، فعلى سبيل المثال متوسط دخل الفرد في الهند نصف دخل الفرد في مصر، ولكن معدل الادخار في الهند يبلغ حوالي 20% أي أعلى بكثير من مصر، وبالتالي من يدعي أن قلة الادخار هي سبب الأزمة هو ادعاء غير صحيح، بينما أصبح اللجوء للقروض والاعتماد على الاستدانة الاستهلاكية قضية قومية تستدعي إعادة النظر في السياسات الاقتصادية بشكل عاجل.
وهل الهيئات الاقتصادية تمثل ثقوبا كبيرة فى الموازنة؟ وما الحل فى نظرك؟
نعم هذا مؤكد فالهيئات الاقتصادية تمثل ثقوبا كبيرة في الموازنة العامة فهناك مشروعات ضخمة يتم تنفيذها دون أن يكون لها ضرورة ملحة، وغريب أنها تنفذ أحيانا دون دراسات جدوى مثل العاصمة الإدارية والمشروع العقاري الذي أعلنت عنه مجموعة مصطفى طلعت، وحتى دخول البنوك في مشاريع خاصة كل هذه المشروعات تزيد من الاختلالات في الموازنة نتيجة زيادة الواردات لتلك المشروعات دون أن يقابلها زيادة في الصادرات، بالإضافة إلى ذلك فإن المعالجة المالية للهيئات الاقتصادية تشمل إيراداتها ومصروفاتها وتمتلك كثير من هذه الهيئات صناديق مالية، وما يدخل إليها أو يخرج منها يكون خارج نطاق الحصر في الموازنة العامة للدولة، رغم أن هناك مبدأ أساسي وهو وحدة الموازنة العامة وبالتالي يتوجب حصر كل الإيرادات والمصروفات الخاصة بالدولة ضمن الموازنة العامة.
أما الحديث عن السياسة المالية للهيئات الاقتصادية فهو جزء قليل جدا وغالبا لا نراه واضحا حيث تحصل هذه الهيئات على قروض وعند وضع سياسة عامة فإنها تكون ناقصة حسب اعتراف وزير المالية، وفي حالة مصر نجد أن حوالي 50% من النشاط المالي للدولة لا يظهر في الموازنة العامة، مما يضعف الشفافية ويزيد من صعوبة التحكم في الموارد المالية للدولة.
وهل الصندوق السيادى يمثل ثقبا جديدا فى الموازنة العامة للدولة؟
الصندوق السيادي يعد ثقب أسود بمعنى أننا لا نعرف ما بداخله، كما أنه لا يخضع للرقابة من الجهات المعنية فمجلس النواب لا يراجع حساباته والجهاز المركزي للمحاسبات لا يتابعها، وبالتالي لا يمكننا معرفة ما يملكه المصريون داخل الصندوق باستثناء عدد قليل من الأشخاص الذين لم يخترهم الشعب ولا يمكن محاسبتهم، وقد أنشئ الصندوق السيادي في أصله كأداة للدول التي تمتلك فائض اقتصادي لتضع جزء منه في صندوق مستقل كما في النرويج ودول الخليج حيث يتم تخصيص جزء من عائدات النفط لهذا الصندوق السيادي.
وهل الصناديق الخاصة تعتبر من ثقوب الموازنة ؟
يجب أن نعلم أن الصناديق الخاصة متعددة وتتبع جهات حكومية وهيئات عامة، ويتم اتخاذ القرارات فيها على المستوى الإداري لتلك الجهات ومع ذلك ليس كل هذه الصناديق مدرجة ضمن الموازنة العامة للدولة، ولا تتوافر بيانات كافية عن عدد هذه الصناديق وحجم نشاطها المالي، وتعتبر هذه الصناديق ثقبا في الموازنة العامة حيث يصعب تتبع مواردها واستخداماتها بدقة.
وهل تمثل فوائد الديون الداخلية والخارجية أيضا ثقوبا فى الموازنة ؟
الفوائد هي المبالغ التي تلتزم الدولة بسدادها سواء للدائنين الداخليين أو الخارجيين مقابل حصولها على الأموال على شكل قروض حتى يتم السداد الكامل، وبذلك تشكل الفوائد والأقساط ثقب في الموازنة العامة للدولة، لأنها تمثل باب واسع تصرف منه الأموال ضمن نطاق الموازنة سواء داخل الدولة أو خارجها، وعندما تأخذ الدولة قروض وتلتزم بسدادها تصبح هذه الالتزامات جزء كبير من الضغوط المالية على الموازنة.
ما هى القرارات التى تصدرها الحكومة وتمثل استنزاف للموازنة العامة للدولة؟
عندما تتحدث الحكومة عن قرارات إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة أو مدن جديدة مثل مدينة العلمين الجديدة أو القاهرة الجديدة وأكتوبر وزايد يتم تنفيذ هذه المشاريع عبر هيئة المجتمعات العمرانية، مما يعني إنفاقا كبيرا على إعداد البنية التحتية، والخريطة العمرانية لدينا تشبه زهرة اللوتس حيث المساحات المبنية محدودة، والمشكلة تكمن في زيادة البناء في الصحراء وإقامة مشروعات مثل المونوريل وخطوط الصرف مما يجعل تكاليف الإنفاق مرتفعة جدا ويستلزم حساب دقيق، وفي الوقت نفسه تعاني الطرق الداخلية في المدن القائمة من سوء الحالة لأن الإنفاق تحول بشكل كبير نحو المدن العمرانية الجديدة، كما أن الصيغة الجديدة للمشروعات المتمثلة في إطلاق اسم "كمبوند" أو المجتمعات المغلقة تطبق على هذه المشروعات العمرانية الجديدة دون دراسات جدوى واضحة، وغالبا يتم الحصول على قروض لتمويلها قبل البدء في تنفيذها.
ما هي الاستثمارات غير المنتجة؟ وكيف تشكل هدرا لأموال الدولة والشعب؟
الاستثمار غير المنتج يمكن تفصيله من خلال نوع العائد فهناك استثمارات ذات عائد منظور وملموس وهي المشروعات التي تؤدي إلى زيادة الإنتاجية وتعد منتجة، أما الاستثمارات ذات العائد غير المنظور فهي تلك التي لا تحقق أي قيمة حقيقية للاقتصاد أو للمجتمع، وإذا طبقنا هذا على الواقع نجد أمثلة واضحة مثل مشروع "ممشى أهل مصر" الذي كان يفترض أن يكون كيان عام على ضفاف نهر النيل وعائده غير مرئي، فرض رسوم على الدخول قد يجعل المواطن يحجم عن استخدام هذا المشروع خاصة وأنه يعيد تكرار فكرة كورنيش النيل القديم ولا يمثل استثمار منتج، وهناك مثال آخر وهو طريق مصر الإسكندرية الصحراوي بأربع حارات الذي تكلف بناؤه مبالغ باهظة، ويعود العائد منه لصالح فئة محددة أطلقنا عليها "أهل إيجيبت"، بهذا الشكل الحكومة تستخدم أموال الشعب لصالح فئة محددة وهو ما يضر بالعدالة الاجتماعية ويؤدي إلى هدر الموارد العامة.
وكيف يمكنك وضع روشتة لعلاج ثقوب الموازنة العامة للدولة؟
أولا يجب أن تتدرج الموازنة العامة للدولة بدء من مشروع موازنة تقدم إلى البرلمان الذي يتعين عليه أداء وظيفته الدستورية المحددة وهي الرقابة والتشريع والعمل على معالجة الثقوب والنقاط العالقة في المشروع الذي تقدمه الحكومة، وهذا يستلزم أولا حدوث إصلاح سياسي حقيقي خاصة وأن إقرار الموازنة هو عملية سياسية بامتياز تتعلق بتحديد الأولويات، وبالتالي لا يمكن توقع إصلاح حقيقي للاقتصاد المصري دون إصلاح سياسي مسبق.
