رئيس التحرير
عصام كامل

الغردقة عطشى منذ عقدين.. صرخة كاتب تكشف الأزمة ورد حكومي يعدد الجهود.. وتعقيب يعيد الأسئلة إلى الواجهة

ازمة المياه في الغردقة،
ازمة المياه في الغردقة، فيتو
18 حجم الخط

في الوقت الذي تمضي فيه الدولة بخطى متسارعة نحو تعظيم إيرادات السياحة واستهداف جذب 30 مليون سائح بحلول عام 2030، تتكشف على الأرض أزمة مزمنة في واحدة من أهم المدن السياحية، هي الغردقة، حيث يواجه المواطنون والمنشآت الفندقية نقصًا متكررًا في مياه الشرب، يتجدد كل صيف ويعيد طرح الأسئلة القديمة نفسها دون إجابات حاسمة.

القضية عادت إلى الواجهة بقوة بعد مقال نشره الدكتور محمد شتا، أعقبه رد رسمي، ثم تعقيب جديد أعاد فتح الملف من زاوية أكثر حدة، لتتشكل أمامنا صورة كاملة لأزمة مركبة تتداخل فيها الإدارة مع الموارد، والتخطيط مع التنفيذ.

بداية القصة: كاتب يكشف أزمة ممتدة منذ 20 عامًا

أعاد الدكتور محمد شتا تسليط الضوء في مقال نشره موقع فيتو تحت عنوان “بلاغ إلى من يهمه الأمر” يسلط على أزمة مياه الغردقة، مؤكدًا أنها ليست وليدة اللحظة، بل تمتد لأكثر من عشرين عامًا، تفاقمت خلالها المعاناة دون حل جذري.

المقال لم يكتفِ بوصف الأزمة، بل وضعها في سياقها الأخطر، مشيرًا إلى أن مدينة تمثل أكثر من 60% من حجم السياحة الوافدة إلى مصر تعاني من نقص في مياه الشرب، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى جاهزية البنية التحتية لمواكبة خطط التوسع السياحي.

 الدكتور محمد شتا
 الدكتور محمد شتا

الأزمة، بحسب ما ورد، تبلغ ذروتها خلال فصل الصيف، حيث ترتفع معدلات الاستهلاك، وتظهر السوق الموازية للمياه، إذ يصل سعر المتر المكعب إلى نحو 200 جنيه، في مشهد يعكس اختلالًا واضحًا بين العرض والطلب.

لكن أخطر ما طرحه المقال لم يكن الأسعار، بل المفارقة الصادمة: انقطاع المياه عن الشبكات الرسمية، في مقابل توفرها المستمر لدى تجار المياه، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مصادر هذه الكميات وآليات توزيعها.

كما أشار الكاتب إلى إعلان سابق في مايو 2025 عن قرب حل الأزمة، واعتبارها مجرد مشكلة فلاتر في محطة التحلية، إلا أن مرور عام كامل دون إنهاء الأزمة أعاد الشكوك حول دقة التقديرات وسرعة التنفيذ.

 

رد الحكومة: جهود قائمة وخطط ممتدة حتى 2050

في أعقاب نشر المقال، سارعت الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي إلى إصدار رد رسمي، أكدت فيه متابعة ما أثير والتنسيق مع الشركة التابعة بمحافظة البحر الأحمر للوقوف على الحقائق.

الرد الحكومي ركّز على عدة محاور، أبرزها التأكيد على أن الأسعار المرتفعة المتداولة في السوق لا تعبر عن السعر الرسمي، الذي يبلغ 25 جنيهًا للطن، موضحًا أن ما يتم تداوله هو نتيجة تعاملات فردية خارج الإطار الرسمي.

كما أوضح أن نظام تشغيل المياه في الغردقة يعتمد على المناوبات في بعض المناطق، في ظل محدودية الإنتاج، إلى جانب تشغيل مستمر على مدار 24 ساعة في مناطق أخرى تم تطوير شبكاتها.

وفيما يتعلق بمحطات التحلية، أشار الرد إلى تنفيذ أعمال صيانة دورية، تضمنت تغيير نحو 50% من الأغشية (الفلاتر) بمحطة اليسر خلال شهري مارس وأبريل 2025، بتكلفة بلغت نحو 100 مليون جنيه، بهدف تحسين كفاءة التشغيل وجودة المياه.

ولم يقتصر الرد على الوضع الحالي، بل امتد إلى عرض خطة مستقبلية طموحة، تشمل إنشاء أربع محطات تحلية جديدة بطاقة إجمالية 85 ألف متر مكعب يوميًا، إلى جانب مشروعات إضافية بطاقة 110 آلاف متر مكعب يوميًا، ضمن استراتيجية تمتد حتى عام 2050 لضمان استدامة الموارد المائية.

تعقيب الكاتب: الرد لم ينفِ الأزمة بل أكد استمرارها

رغم ما تضمنه الرد من تفاصيل، عاد الدكتور محمد شتا ليؤكد أن جوهر الأزمة لا يزال قائمًا، معتبرًا أن الرد ركّز على عرض الجهود دون الاقتراب من أصل المشكلة.

وأوضح أن ما يحدث على الأرض يعكس استمرار الأزمة بنفس حدتها، حيث لا يزال الأهالي والفنادق يعتمدون على شراء المياه من التجار بأسعار مرتفعة، في ظل عدم انتظام الضخ عبر الشبكات.

وأشار إلى أن الرد لم يقدم إجابة واضحة على السؤال الأهم: هل تمتلك المنظومة الحالية القدرة على توفير المياه بشكل مستمر لجميع مناطق الغردقة، سواء عبر الشبكات أو من خلال سيارات الشركة؟

كما أعاد طرح التساؤل الأكثر حساسية، والمتعلق بمصدر المياه التي يبيعها التجار، متسائلًا عما إذا كانت هذه الكميات تأتي من داخل المنظومة الرسمية أم من مصادر أخرى خارج نطاق الرقابة، وهو ما يستدعي — بحسب طرحه — تدخلًا رقابيًا جادًا من جهات مثل هيئة الرقابة الإدارية.

ولم يغفل الكاتب الإشارة إلى أن الأزمة سبق وأن وُعد بحلها خلال فترة قصيرة قبل عام، دون أن يتحقق ذلك، لتعود المشكلة مجددًا مع بداية موسم الصيف، في نمط متكرر يعكس غياب الحسم.


 

أزمة أعمق من المياه: خلل في الإدارة أم فجوة في التخطيط؟

يكشف تسلسل الأحداث عن أن أزمة الغردقة لم تعد مجرد نقص في المياه، بل أصبحت مؤشرًا على تحديات أوسع تتعلق بإدارة المرافق الحيوية.

فبينما تتحدث الجهات الرسمية عن خطط مستقبلية واستثمارات ضخمة، يظل الواقع اليومي للمواطنين والمنشآت السياحية محكومًا بنقص الإمدادات، واللجوء إلى حلول بديلة مكلفة.

هذا التباين بين الخطط والواقع يطرح تساؤلات حول كفاءة توزيع الموارد، ومدى التنسيق بين الجهات المختلفة، خاصة في ظل فصل مرفق المياه عن الإدارة المحلية، وهو ما يراه البعض أحد أسباب ضعف الاستجابة للأزمات على المستوى المحلي.

تظل أزمة مياه الغردقة نموذجًا لقضية تتكرر دون حل جذري، رغم وضوح أبعادها وخطورتها على قطاع حيوي يمثل أحد أعمدة الاقتصاد المصري.

وبين صرخة كاتب، ورد حكومي، وتعقيب يعيد طرح الأسئلة، يبقى المشهد مفتوحًا، في انتظار إجابة حاسمة لا تقتصر على عرض الجهود، بل تقدم حلًا نهائيًا بزمن محدد.

الجريدة الرسمية