غزة تحت القصف اليومي.. نتنياهو يراهن على حرب مفتوحة لتحقيق مكاسب سياسية.. حماس تحاول احتواء التصعيد.. وترامب يعيد توجيه المشهد اقتصاديا
غزة، بين تصاعد الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، وتكثيف الحديث عن التهدئة عبر المضي قدما في خطة السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يواجه قطاع غزة مشهدا سياسيا معقدا يكشف عن صراع مفتوح حول ملامح المرحلة المقبلة في القطاع، في ظل استمرار سقوط الضحايا الفلسطينيين -من نساء وأطفال وشيوخ- جراء القصف الإسرائيلي المتواصل رغم سريان التهدئة، ما يثير تساؤلات جوهرية بشأن جدوى الاتفاق وقدرته على الصمود.
ميدانيا، تستهدف سلطات الاحتلال الإسرائيلي المدنيين بصورة يومية، عبر القصف الجوي والمدفعي تجاه أماكن النازحين، إلى جانب عمليات النسف والتدمير داخل ما يعرف بالخط الأصفر، مع الاستمرار في القيود على حركة البضائع والمساعدات والسفر.
ووفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، ارتفع عدد الشهداء الفلسطينيين منذ بدء وقف إطلاق النار إلى أكثر من 783 شهيدا، إضافة إلى 2171 مصابا، إلى جانب تسجيل 761 حالة انتشال، بعد استشهاد خمسة فلسطينيين، بينهم امرأتان، صباح الويم الثلاثاء 21 إبريل 2026.
كما بلغت الحصيلة الإجمالية لحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023 نحو 72 ألف 558 شهيدا، و172 ألف و274 مصابا، في مؤشر على الكلفة البشرية الثقيلة للحرب المستمرة على القطاع.
نتنياهو يواصل التلاعب
بحسب تقارير إعلامية، تتبنى سلطات الاحتلال الإسرائيلي سياسة تقوم على التصعيد العسكري لتجنب الظهور في صورة الطرف "المجبر على التفاوض"؛ ولتحقيق ذلك، تزعم إسرائيل أن عملياتها تستهدف مواقع أمنية، لكنها في الواقع تطال بيئات مدنية هشة، خاصة مناطق النزوح.
كما تسعى حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المطلوب مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، إلى مواصلة عملياتها العسكرية، في محاولة للحفاظ على بقائها في السلطة. ويأتي ذلك في ظل تراجع ملحوظ في شعبية نتنياهو، مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي المتوقع في أكتوبر المقبل، ما يعزز فرضية توظيف التصعيد كأداة لإعادة ترتيب المشهد السياسي الداخلي، حتى وإن كان الثمن شن "حروب أبدية"، بحسب تقرير سابق نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية.
حماس تحاول التغلب على الخيار الصعب
وفي المقابل، تتحرك حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ضمن هامش دقيق، حيث تسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار واستكمال مراحله، مع إظهار مرونة تفاوضية في محادثاتها مع الوسطاء في القاهرة. غير أن هذه المرونة تصطدم بواقع ميداني يفرضه استمرار القصف، ما يضع الحركة أمام معادلة صعبة بين ضبط النفس والحفاظ على صورتها كفاعل مقاوم.
وقالت حركة حماس الثلاثاء، إنها أجرت لقاءات مع الوسطاء وفصائل فلسطينية في مصر لبحث تطبيق باقي التزامات المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار مع إسرائيل والتحضير لمناقشة المرحلة الثانية، مبينة أنها تعاملت بإيجابية مع المقترحات المقدمة.
وذكرت الحركة في بيان أنها تجري "العديد من اللقاءات والمشاورات في القاهرة مع الوسطاء والفصائل الفلسطينية حول تطبيق باقي التزامات المرحلة الأولى من الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في شرم الشيخ، والتحضير للنقاش حول ترتيبات المرحلة الثانية، في ضوء خطة ترامب".
وأكدت أنها "تعاملت بمسؤولية وإيجابية عالية مع المقترحات المقدمة بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول"، مشددة على أنها ستقدم "ردها على المقترحات بعد إتمام المشاورات مع قيادة الحركة والفصائل الفلسطينية".
وأعربت الحركة الفلسطينية عن اهتمامها باستمرار المفاوضات مع الوسطاء لتذليل العقبات لتثبيت وقف إطلاق النار مع إسرائيل.
اتفاق التهدئة حبر على ورق
على المستوى السياسي، يتضح أن اتفاق التهدئة لم يتحول إلى إطار مستقر، بل لا يزال أداة لإدارة الصراع، في ظل غياب آليات إلزام واضحة، واستمرار الخلافات حول تنفيذ بنود المرحلة الأولى، بصورة تعكس هشاشة الاتفاق.
وفي السياق، طالبت أكثر من 190 منظمة من المجتمع المدني إلى جانب مدافعين عن حقوق الإنسان، في بيان مشترك، البنك الدولي بالانسحاب من "مجلس السلام" وإنهاء تسهيل التمويل المرتبط بإعادة إعمار وتنمية غزة.

وأوضحت الجهات الموقعة أن هذه الدعوة تأتي في ظل الإبادة الجماعية المستمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، منتقدة دور البنك الدولي بصفته وصيا محدودا على صندوق الوساطة المالية لإعادة إعمار وتنمية غزة، وعضوا في المجلس التنفيذي لما يعرف بـ"مجلس السلام".
وشدد الموقعون على أن الخطط المطروحة ضمن هذا الإطار "تسهم في تعميق الاقتلاع المادي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي للفلسطينيين، وتتعامل مع قطاع غزة بمعزل عن الضفة الغربية والقدس الشرقية، بما يرسخ مقاربة استعمارية تتجاهل وحدة الأرض الفلسطينية".
ودعت المنظمات إلى ضرورة الترويج لأطر إعادة إعمار يقودها الفلسطينيون، والتعاون مع الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة، وتجنب الانخراط في هياكل تقوض النظام متعدد الأطراف، إضافة إلى إدانة أي إجراءات انتقامية تستهدف المدافعين عن حقوق الإنسان.
70 مليار دولار تكلفة إعادة إعمار غزة
من جهتها، جريدة "فاينانشال تايمز" البريطانية اليوم الثلاثاء عن ثلاثة مصادر مطلعة أن ممثلين عن مجلس السلام الذي أطلقه ترامب أجروا محادثات مع شركة دي بي ورلد المملوكة لحكومة دبي، حول إدارة سلاسل التوريد ومشاريع البنية التحتية في قطاع غزة.
وأشارت تقديرات مؤسسات عالمية إلى أن تكلفة إعادة إعمار قطاع غزة، حيث دمرت الحرب الإسرائيلية التي استمرت عامين أربعة أخماس المباني، تبلغ نحو 70 مليار دولار.
ونقلت الجريدة عن المصادر قولها إن المحادثات ركزت على إمكانية دخول دي بي ورلد في شراكة مع مجلس السلام لإدارة الخدمات اللوجستية.

وأضافت أن هذه الجهود ستشمل المساعدات الإنسانية وغيرها من السلع الداخلة إلى غزة، بما يشمل التخزين وأنظمة التتبع والترتيبات الأمنية.
وقالت: إن من بين الأفكار الأخرى التي طرحت خلال المحادثات إنشاء ميناء جديد إما في غزة أو على الساحل المصري القريب، تبنيه الشركة التي تتخذ من الإمارات مقرا، والتي يمكنها أيضا إقامة منطقة تجارة حرة في القطاع الذي دمرته الحرب.
شكوك حول مجلس السلام
اقترح ترامب إنشاء مجلس السلام في سبتمبر 2025، للإشراف على خطته لإنهاء حرب إسرائيل في غزة، قبل أن يقول لاحقا إن المجلس سيتعامل أيضا مع نزاعات أخرى.
وتنص خطة ترامب الخاصة بغزة على انسحاب القوات الإسرائيلية وبدء إعادة الإعمار مع تخلي حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) عن أسلحتها.
وشملت المرحلة الأولى، التي دخلت حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، وقفا لإطلاق النار وتبادلا لأسرى إسرائيليين وفلسطينيين وفتح معبر رفح وإدخال مساعدات لقطاع غزة. فيما تنصلت إسرائيل من العديد من التزاماتها، مواصلة قصفها للمدنيين.
ويثير مشروع "مجلس السلام" موجة انتقادات واسعة، إذ يراه مراقبون شكلا صارخا من الاستعمار الجديد، يهدد مستقبل الفلسطينيين ويكشف تراجع الادعاءات الأخلاقية للهيمنة الأمريكية، وفق مقال نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية للكاتب البريطاني أوين جونز.
يقول جونز: ترامب طالب كل دولة بمليار دولار مقابل العضوية الدائمة، ويبدو أن مسودة الميثاق تشير -بحسب بلومبرج- إلى أنه سيسيطر على هذه الأموال. وقبل عام، اقترح إعادة توطين سكان غزة بشكل دائم ما يعني دعوة صريحة إلى التطهير العراقي. كما نشر مقطع فيديو مولدا بالذكاء الصطناعي يصور غزة كمنتجع فاخر، يتوسطه تمثال ذهبي ضخم له.
وفي المحصلة، يبدو أن غزة تقف أمام مرحلة انتقالية دقيقة، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع مشروعات إعادة الإعمار، في ظل غياب أفق سياسي واضح. وبينما تستمر التهدئة الهشة، يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت هذه المرحلة ستقود إلى استقرار طويل الأمد، أم أنها مجرد استراحة مؤقتة في مسار صراع لم تحسم نهايته بعد.




