الآباء VS الأمهات.. على شرف “الأحوال الشخصية”.. استخدام الأبناء أداة للانتقام يفرغ القانون من مضمونه ويفاقم الأزمة.. وأطفال النزاعات القضائية أكثر عرضة للتراجع الدراسي والانعزال الاجتماعي
لا يعد قانون الأحوال الشخصية مجرد نصوص قانونية تنظم العلاقة بين الآباء بعد الانفصال، بل هو الإطار الذي يحكم مصير أجيال كاملة، ومسؤولية مجتمعية تستوجب رؤية متوازنة تضع "أمان الطفل واستقراره النفسي" في مقدمة الأولويات، قبل أي مكاسب قانونية أو اجتماعية لأي طرف. الأيام الأخيرة شهدت سجالًا متجددا حول مشروع قانون الأحوال الشخصية، خاصة بعد التوجيه الرئاسي للحكومة بتقديمه لمجلس النواب، حيث برز كل طرف بقائمة مطالب تبدو برجماتية لكل منهما.. فيما يبقى على شاطئ الأزمة أكثر من عشرة ملايين طفل هم وقود المعركة.
10 ملايين طفل في مهب الريح
تشير التقديرات الإحصائية والحقوقية إلى أن هناك نحو 10 ملايين طفل في مصر ضحايا النزاع بعد الطلاق؛ حيث يعيش هؤلاء الأطفال في أسر منفصلة، ويجدون أنفسهم عالقين بين مطرقة مطالب الآباء ومخاوف الأمهات، مما يجعلهم الأكثر تأثرا بجمود النصوص وثغرات الإجراءات القضائية.
ويطلق الخبراء صيحة تحذير من تحويل الطفل إلى أداة للانتقام وتفريغ شحنات الغضب بين الطرفين، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى إصابته بفقدان الهوية، كما أن إجبار الطفل على اتخاذ موقف ضد أحد والديه يؤثر على صحته النفسية.
كما تشير الدراسات الميدانية إلى أن أطفال النزاعات القضائية الطويلة هم الأكثر عرضة للتراجع الدراسي، والانعزال الاجتماعي، وفي بعض الحالات الانحراف السلوكي نتيجة غياب الرقابة المشتركة والبيئة الهادئة، لذلك يجب عند وضع القانون الاستناد على دراسات علمية تراعي احتياجات الطفل النمائية والنفسية، لضمان خروج تشريع يحمي عقل ووجدان الطفل قبل أن يحمي حقوق البالغين.
في ظل هذا الجدل المتصاعد، تتباين مطالب النساء والرجال بشأن عدد من البنود الجوهرية التي تمس حياة الأسرة بعد الطلاق، حيث يتمسك كل طرف برؤيته وفق ما يراه - من وجهة نظره- في مصلحة الطفل ويحفظ حقوقه.
ما تطلبه الأمهات وما يريده الآباء
وفي هذا السياق، يعرض ممثلو الطرفين — منة وحيد رئيسة حملة تمرد ضد قانون الأسرة، ولمياء بسيوني مؤسسة حملة أمهات تصنع المستحيل — أبرز مطالبهم بشأن التعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية.
قواعد الاستضافة
يعد بند الاستضافة من أكثر البنود إثارة للجدل في مناقشات قانون الأحوال الشخصية، لما يحمله من تأثير مباشر على علاقة الطفل بكل من والديه، ولما قد يثيره من مخاوف لدى الأمهات بشأن سلامة الأبناء، في مقابل مطالب الآباء بالحصول على دور أكبر في حياتهم اليومية.
السيدات:
ترى الأمهات أن الاستضافة في حد ذاتها قد تمثل انتقاصا من حق الطفل في البقاء في حضانة أمه، خاصة إذا كانت إجبارية أو بحكم قضائي، مؤكدات أن الاستضافة يجب أن تتم بالتراضي وبموافقة الحاضن والمحضون.
وتحذر الأمهات من تعرض الطفل لأذى نفسي نتيجة سوء المعاملة أو التفرقة في المعاملة بينه وبين أبناء الزوجة الحالية، فضلا عن احتمالات تعرضه لأذى بدني، مشيرات إلى أن هناك وقائع متكررة — وفق روايتهن — تتعلق بتعرض أطفال للعنف أو التعذيب في غياب الأم.
كما تشير الأمهات إلى ما يصفنه بظاهرة خطف الأطفال خلال فترات الاستضافة الودية، بهدف الضغط على الأم للتنازل عن حقوق قانونية مثل النفقة أو قضايا قائمة المنقولات أو مسكن الحضانة، مطالبات برفض الاستضافة الجبرية والتمسك بأن تكون برضا الحاضن والمحضون.

الرجال:
يطالب الآباء بتغيير نظام الرؤية الحالي واستبداله بنظام الاستضافة، بما يسمح للطفل بقضاء يومين أسبوعيا مع الطرف الآخر، مع اقتسام الأعياد والإجازات بين الطرفين، مؤكدين أن هذا النظام يعزز العلاقة بين الأب وأبنائه ويمنحه دورا حقيقيا في التربية.
سن الحضانة
كما يبرز سن الحضانة كأحد المحاور الرئيسية في الخلاف، لما له من تأثير كبير على الحياة الشخصية والاجتماعية للطفل، ويمثل خلافا كبيرا بين الطرفين، اللذين اتفق على المطالبة بتغيير هذا البند في القانون الحالي واختلف على نوع التغيير.
النساء:
ترفض الأمهات مقترحات خفض سن الحضانة إلى 7 سنوات للولد و9 سنوات للبنت، مؤكدات أن الطفل يحتاج إلى رعاية الأم لفترة أطول لضمان الاستقرار النفسي والتربوي، ويطالبن بمدها إلى 18 عاما باعتبارها نهاية مرحلة الطفولة.
وترى الأمهات أن انتقال الأطفال في سن صغيرة إلى بيت الأب — خاصة في حال وجود زوجة ثانية — قد يعرضهم لمشكلات نفسية أو اجتماعية.
الرجال:
يرغب الآباء أن خفض سن الحضانة 7 سنوات للولد و9 سنوات للبنت، بما يحقق مصلحة الطفل، من وجهة نظرهم، مؤكدين أن الطفل في سنواته الأولى يحتاج إلى الأم، لكنه بعد ذلك يحتاج إلى الأب ليقوم بدوره في التربية والتقويم ونقل الخبرات الحياتية.
كما يرفض بعض الآباء فكرة تخيير الطفل بين والديه، معتبرين أن ذلك يضعه تحت ضغط نفسي كبير ويجعله طرفا في صراع لا يتحمل مسؤوليته، بحيث يتم نقل حضانة الطفل للأب تلقائي بعد وصوله لسن7 سنوات للولد و9 سنوات للبنت دون تخيير.
ترتيب الحضانة بعد الأم
ولا يتوقف الجدل عند سن الحضانة فقط، بل يمتد إلى ترتيب الحضانة بعد الأم، وهي مسألة تتعلق بمصير الطفل في حال تغير الظروف الأسرية، مثل زواج الأم أو وفاتها، وما إذا كان الأب أولى بالحضانة أم تبقى داخل دائرة أسرة الأم.
النساء:
ترفض الأمهات أن يكون الأب في المرتبة التالية للأم مباشرة في ترتيب الحضانة، خاصة في حال زواج الأم أو وفاتها، ويرين أن الجدة من جهة الأم تكون أكثر قدرة على رعاية الطفل، وأن وجود الطفل داخل أسرة الأم يوفر له قدرا أكبر من الأمان والاستقرار.
الرجال:
يطالب الآباء بأن يكونوا في المرتبة التالية للأم مباشرة في ترتيب الحضانة، معتبرين أن وجود الطفل مع والده أولى من انتقاله إلى الجدة أو الخالة، وأن ذلك يضمن للطفل حياة مستقرة مع أحد والديه بدلا من انتقاله بين أكثر من بيت.
قانون الخلع
ومن بين القضايا التي تثير نقاشا واسعا أيضا، قانون الخلع باعتباره أحد أهم الوسائل القانونية لإنهاء العلاقة الزوجية، حيث تختلف وجهات النظر حول مدى توازن هذا القانون بين حقوق الزوجة وضمانات الزوج.
النساء:
ترى بعض النساء أن إجراءات الخلع الحالية تمثل وسيلة قانونية لإنهاء علاقة زوجية متعسرة دون الدخول في نزاعات طويلة، مع التنازل عن الحقوق المالية، بما يحقق حماية للمرأة في حالات استحالة العشرة.
الرجال:
يطالب عدد من الآباء بتعديل قانون الخلع ليكون بحضور الزوج وعلمه وموافقته على العرض، مؤكدين أن بعض حالات الخلع -بحسب روايتهم- تتم دون علم الزوج، وهو ما يصفونه بأنه إجراء غير عادل.
قائمة المنقولات
أما قائمة المنقولات الزوجية، فتظل واحدة من أكثر النقاط حساسية في النزاعات الأسرية، إذ تراها النساء ضمانة لحفظ حقوقهن، بينما يعتبرها بعض الرجال عبئا قانونيا وماليا يحتاج إلى إعادة نظر.
النساء:
تعتبر النساء قائمة المنقولات ضمانة قانونية لحفظ حقوق الزوجة وممتلكاتها داخل منزل الزوجية، خاصة في حال حدوث خلاف أو طلاق.
الرجال:
يرى بعض الرجال أن قائمة المنقولات تمثل عبئا قانونيا وماليا على الزوج، ويطالبون بإلغائها، معتبرين أنها لا تستند إلى أصل شرعي، وأن تأسيس منزل الزوجية يجب أن يكون علي الزوج فقط ووفق إمكانياته المادية.
إجراءات التقاضي والنفقات
وفي سياق متصل، تتجه الأنظار إلى إجراءات التقاضي والنفقات، باعتبارها من الملفات الأكثر تأثيرا على استقرار الأطفال بعد الطلاق، خاصة في ظل طول أمد النزاعات القضائية وتعقيد الإجراءات في بعض القضايا.
السيدات:
تطالب الأمهات بسرعة تنفيذ أحكام النفقة وتشديد العقوبات على الممتنعين عن السداد، باعتبار النفقة حقا أساسيا للأطفال.
الرجال:
يطالب الآباء بتقليل مدة التقاضي في قضايا الأسرة، وضم جميع القضايا المتعلقة بالطلاق — مثل النفقة والاستضافة والرؤية — في ملف واحد، مع توقيع عقوبات رادعة على الطرف المقصر، سواء كان الأب أو الأم.
الكَدّ والسعاية
برز أيضا مطلب إدراج مفهوم "الكَدّ والسعاية" ضمن النقاشات الخاصة بقانون الأحوال الشخصية الجديد.
السيدات:
تطالب بعض النساء بالاعتراف بمساهمة الزوجة في بناء ثروة الأسرة خلال سنوات الزواج، وضمان عدم تضررها ماديا بعد الانفصال، خاصة إذا وقع الطلاق في سن متقدمة أو بعد بلوغ سن المعاش، وفي ظل غياب مصدر دخل أو معاش لها، بما يضمن حياة كريمة تحميها من الإهمال أو العوز بعد سنوات من الشراكة الزوجية، وطالبت المعيلات بإضافة بند الكد والسعاية في القانون الجديد، باعتباره وسيلة لحماية المرأة التي ساهمت في دعم زوجها ماديا ومعنويا خلال سنوات الزواج، ثم تجد نفسها بعد الطلاق بلا دخل أو ضمان اجتماعي، رغم مشاركتها الفعلية في بناء حياة الزوج وثروته.
الرجال:
يرى بعض الرجال أنه في حال وجود شراكة مالية أو مساهمة واضحة من الزوجة في أي مشروع أو نشاط تجاري، يتم تنظيم ذلك قانونيا من خلال عقود موثقة تثبت طبيعة المشاركة ونسبتها، تحصل علي حقوقها المالية، أما دون ذلك فلا حق المرأة في ثروة زوجها، مؤكدين أن أي حقوق مالية يجب أن تُحسم وفق المستندات والعقود، وليس عبر نصوص عامة قد تفتح بابا للنزاع أو التوسع غير المنضبط.
الولاية التعليمية
تعد الولاية التعليمية من الملفات شديدة الحساسية في قضايا الأحوال الشخصية، نظرا لتأثيرها المباشر على مستقبل الأطفال واستقرارهم الدراسي، خاصة بعد الانفصال.
النساء:
تطالب الأمهات بأن تكون الولاية التعليمية للأم بشكل كامل باعتبارها الحاضن في معظم الحالات، مشيرات إلى أن تغيير المدارس أو سحب ملفات الأبناء بشكل مفاجئ بعد الطلاق قد يؤدي إلى ضرر نفسي وتعليمي كبير للأطفال، كما تؤكد الأمهات ضرورة استمرار الولاية التعليمية مع الأم دون تغيير، لحماية الطفل من أي نزاعات أو استخدام ملف التعليم كوسيلة ضغط أو انتقام بين الطرفين.
الرجال:
يرى الآباء أن الولاية التعليمية يجب أن تكون مشتركة بين الأم والأب، بما يضمن مشاركة الطرفين في القرارات التعليمية المهمة الخاصة بالأبناء، وعدم انفراد طرف واحد باتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بمستقبل الطفل الدراسي.
مطالب الرجال في قانون الأحوال الشخصية
إضافة بند بإلزامية خضوع الحاضن للكشف النفسي الدوري للتأكد من قدرته على القيام بمسؤولياته تجاه الطفل وضمان سلامته النفسية والتربوية.
إلغاء بند تخيير الطفل بين والديه عند انتهاء فترة الحضانة، وانتقاله بشكل تلقائي لحضانة الأب بعد انتهاء فترة الحضانة.
إضافة بند لتطبيق عقوبة قانونية لمن يتسبب في تشويه صورة الطفل لدى الطرف الآخر أو تحريضه ضده.
إسقاط الحضانة عن الأم في حالة الزواج وانتقالها إلى الأب مباشرة.
وعدم الاكتفاء في الحوار المجتمعي بممثلين من الرجال والسيدات فقط، بل إشراك خبراء علم النفس والاجتماع كبديل وصوت لهؤلاء الأطفال في الحوار المجتمعي.
مطالب السيدات في قانون الأحوال الشخصية
إضافة بند لتشديد العقوبات على الممتنع عن دفع النفقة أو المتلاعب بتنفيذ الأحكام القضائية.
إضافة بند لتوفير ضمانات قانونية لحماية مسكن الحضانة وعدم إخراج الأم والأبناء منه دون توفير بديل مناسب.
إضافة بند بتغليظ العقوبات في جرائم خطف الأباء وذويهم للأطفال أو إخفائهم أثناء تنفيذ الرؤية أو الاستضافة.
نقلا عن العدد الورقي
إقرأ أيضا:
البرلمان يستعد لتعديل قانون الأحوال الشخصية
الاستضافة بدلا من الرؤية، العدل تتقدم رسميًا بمشروع قانون الأحوال الشخصية
6 مواد ملغومة في قانون الأحوال الشخصية تهدد مستقبل الأبناء بعد الطلاق
تأخر قانون “الأحوال الشخصية” يفاقم أزمات النفقة والرؤية والأطفال أول الضحايا
