من براميل النفط إلى الأسمنت والحديد، هكذا يعيد مضيق هرمز تشكيل فواتير سوق البناء
تشهد حركة الملاحة في مضيق هرمز حالة من الفتح المشروط المصحوب بتهديدات متكررة بالإغلاق، ما يخلق حالة من عدم الاستقرار تؤثر مباشرة على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، ومن ثم على قطاعات مثل مواد البناء.
وفي ظل التصعيد المتكرر في منطقة الخليج، يظل مضيق هرمز أحد أهم العوامل المؤثرة في الاقتصاد العالمي، ليس فقط لكونه ممرًا رئيسيًا لنقل النفط، ولكن أيضًا لدوره غير المباشر في تحديد تكلفة العديد من الصناعات، وعلى رأسها قطاع مواد البناء، فمع تزايد التهديدات من إيران بشأن إغلاق المضيق أو تقييد الملاحة، تدخل الأسواق العالمية في حالة من القلق والترقب، وهو ما ينعكس سريعًا على الأسعار.
هذا القلق لا ينتظر حدوث إغلاق فعلي، بل يبدأ تأثيره بمجرد التصريحات أو التلميحات السياسية، حيث ترتفع أسعار النفط عالميًا، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة تكلفة الطاقة، العنصر الأساسي في تشغيل مصانع الأسمنت والحديد كما ترتفع تكلفة الشحن البحري نتيجة زيادة رسوم التأمين على السفن، خاصة تلك التي تمر عبر مناطق التوتر، ما يضيف أعباءً إضافية على تكلفة استيراد المواد الخام.
ولا يقتصر التأثير على الجانب الصناعي فقط، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، حيث تتباطأ حركة الشحن أحيانًا، أو تتجه بعض الشركات إلى تغيير مساراتها لتفادي المخاطر، وهو ما يؤدي إلى تأخير وصول الخامات وارتفاع أسعارها هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة غير مستقرة لقطاع البناء، الذي يعتمد بشكل كبير على استقرار الأسعار وتوافر المواد.
وفي السوق المحلي مثل مصر، تتجلى هذه التأثيرات بشكل واضح، حيث ترتبط أسعار مواد البناء بالتغيرات العالمية، سواء من خلال استيراد بعض مدخلات الإنتاج أو من خلال تأثر تكلفة التشغيل محليًا بأسعار الطاقة ومع استمرار حالة "الفتح المشروط" للمضيق، المصحوبة بتهديدات متكررة بالإغلاق، تظل الأسواق في حالة من عدم اليقين، ما يدفع بعض الشركات إلى التحفظ في قراراتها الإنتاجية والاستثمارية.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور أحمد حمدي، الخبير الاقتصادي، إن التوترات في مضيق هرمز تمثل ضغطًا مباشرًا على الاقتصاد العالمي، لأنها تؤثر على شريان الطاقة الأساسي وبالنسبة لقطاع مواد البناء، فإن التأثير يكون مركبًا، حيث ترتفع تكلفة الإنتاج نتيجة زيادة أسعار الوقود، إلى جانب ارتفاع تكلفة النقل والتأمين، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار الحديد والأسمنت في السوق المحلي.
ويضيف، حتى في حال عدم حدوث إغلاق فعلي للمضيق، فإن مجرد التهديد أو التصعيد كفيل بإرباك الأسواق ورفع الأسعار، لأن الشركات تبني قراراتها على التوقعات وليس فقط على الأحداث الفعلية، وهو ما يجعل قطاع التشييد من أكثر القطاعات تأثرًا بهذه التطورات.
من جانبه، يوضح الدكتور وائل النحاس، أن ما يحدث في مضيق هرمز هو نموذج واضح لكيفية انتقال الأزمات الجيوسياسية إلى الاقتصاد الحقيقي. فزيادة أسعار النفط تؤدي مباشرة إلى رفع تكلفة الإنتاج في الصناعات الثقيلة، وعلى رأسها الحديد والأسمنت، كما أن اضطراب سلاسل الإمداد يؤدي إلى نقص المعروض في بعض الأحيان، وهو ما يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع.
ويتابع، الأسواق المحلية، ومنها السوق المصري، تتأثر بشكل غير مباشر لكنها سريعًا ما تعكس هذه الزيادات، خاصة في ظل ارتباط الأسعار المحلية بالأسواق العالمية لذلك فإن أي تصعيد في المضيق يظل له تأثير واضح على قطاع البناء، سواء من حيث التكلفة أو من حيث وتيرة تنفيذ المشروعات.
واختتم حديثه قائلا: لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي تمر عبره ناقلات النفط، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في معادلة اقتصادية معقدة، تؤثر على تكلفة البناء وتحدد اتجاهات السوق ومع استمرار التوترات، يبقى قطاع مواد البناء في مواجهة مباشرة مع تداعيات هذا المشهد المتقلب، ما يفرض على الشركات والمستثمرين حالة دائمة من الحذر وإعادة التقييم.








