مأساة سيدة الأسكندرية تفتح الجرح، لماذا تتحول قضايا الطلاق إلى معاناة مزمنة في مصر؟!
أشعلت مأساة سيدة الأسكندرية، التي ألقت بنفسها من الدور الـ١٣ من شرفة محل سكنهم في منطقة سموحة خلال بث مباشر في الساعات الأولى من صباح اليوم الأحد، وتوفيت في الحال وسط صراخها وهي تسقط، حالة من الجدل الشديد على مواقع التواصل، بسبب أزمات ما بعد الطلاق في مصر، والسبب الحقيقي وراء استمرار النزاعات الطويلة التى تتعلق بالسكن والنفقة والإعالة.
أزمات الطلاق في مصر
الأزمة لاتتعلق بتلك السيدة وحدها، إذ وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تتجاوز حالات الطلاق سنويًا حاجز الـ270 ألف حالة، أي ما يقارب 700 حالة يوميًا، وهو ما يضع ضغطًا مباشرًا على منظومة العدالة الأسرية، خصوصًا في ملفات ما بعد الانفصال التي تتطلب متابعة تنفيذ مستمرة وليست حكمًا فقط.
وينظم هذا الملف الإطار القانوني لـ قانون الأحوال الشخصية إلى جانب نصوص من قانون العقوبات في حالات الامتناع عن التنفيذ أو الإضرار بالحقوق المقررة قضائيًا، إلا أن التحدي الأكبر يظل في بطء الإجراءات وتعدد مراحل التقاضي، وهو ما يؤدي في بعض الحالات إلى استمرار النزاع لسنوات دون تسوية نهائية فعالة.
ويشير خبراء قانون إلى أن أحد أبرز الإشكاليات يتمثل في فجوة التنفيذ، حيث يصدر الحكم بينما يظل تطبيقه معلقًا على إجراءات معقدة أو صعوبات واقعية، خاصة في قضايا السكن أو النفقة طويلة الأجل، ما يجعل النزاع قائمًا حتى بعد الحسم القضائي.
نماذج دولية في إدارة حياة الأسر بعد الطلاق
اعتمدت فرنسا نظام (قاضي شؤون الأسرة) الذي يجمع بين سرعة الفصل وإلزامية التنفيذ الفوري في بعض القضايا، مع تقليل درجات التقاضي لتسريع إنهاء النزاع. كما طورت ألمانيا نظام (المحكمة الأسرية الموحدة) التي تتعامل مع جميع قضايا ما بعد الطلاق داخل مسار إجرائي واحد، بهدف منع تشتت الملفات بين أكثر من جهة قضائية.
وفي العالم العربي، طبقت الإمارات نظام (محاكم الأحوال الشخصية المتخصصة) مع إدخال مراكز للتوفيق الأسري قبل اللجوء إلى القضاء؛ ما ساهم في تقليل عدد القضايا المنظورة أمام المحاكم بنسبة ملحوظة، وفق تقارير وزارة العدل الإماراتية. كما تعتمد بعض الدول الخليجية على آليات الصلح الإجباري قبل رفع الدعاوى، لتقليل حدة النزاع منذ بدايته.
ويرى خبراء أن تطوير المنظومة المصرية قد لا يحتاج إلى تعديل تشريعي شامل بقدر ما يحتاج إلى تحسين آليات التنفيذ، عبر إنشاء دوائر أسرية متخصصة في التنفيذ السريع، وتفعيل الوساطة الأسرية الإلزامية قبل التقاضي، على غرار ما هو مطبق في بعض الدول الإسلامية.
كما يطرح آخرون فكرة إنشاء محاكم تنفيذ أسري منفصلة عن محاكم الموضوع، لضمان سرعة تنفيذ أحكام النفقة والسكن، إلى جانب تعزيز الدعم النفسي والاجتماعي للأطراف، بما يقلل من تحول النزاعات القانونية إلى أزمات ممتدة.
في المحصلة، يكشف ملف ما بعد الطلاق عن فجوة بين النص القانوني والواقع العملي، حيث لا تكمن الإشكالية في غياب القواعد، بل في سرعة التطبيق وفعالية التنفيذ، وهي نقطة فاصلة تحدد مدى قدرة المنظومة على احتواء واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية واتساعًا.


