رئيس التحرير
عصام كامل

الولايات المتحدة تستنسخ أزمة هرمز في باب المندب.. واشنطن تصارع الزمن لإقامة قاعدة عسكرية في أرض الصومال.. وتحركات أمريكية إسرائيلية للسيطرة على المضايق

أعلام إسرائيلية عند
أعلام إسرائيلية عند مدخل مزرعة فواكه قرب مدينة بربرة
18 حجم الخط

تشير التحركات الأمريكية الإسرائيلية المتزايدة فيما يعرف بإقليم "أرض الصومال" إلى محاولة الدولتين إعادة رسم خرائط النفوذ الأمني في القرن الأفريقي، حيث يتقاطع البعد العسكري مع اعتبارات السيطرة على الممرات البحرية الحيوية، خصوصا في ظل تصاعد التهديدات المرتبطة بالحوثيين في البحر الأحمر وباب المندب، والذي يمثل أحد أهم أوراق الضغط في الحرب الأخيرة على إيران بعد سيطرة طهران على مضيق هرمز. 

وتعكس المؤشرات الميدانية والتقارير الاستخباراتية اتجاها متسارعا نحو تحويل ميناء بربرة إلى نقطة ارتكاز عسكرية أمريكية إسرائيلية، ما قد يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي أوسع ويجعل مما يعرف بـ"أرض الصومال" ساحة تنافس مباشر بين القوى الدولية والإقليمية على النفوذ والأمن البحري، في ظل محاولة كلا الدولتين الاقتراب من مناطق تمركز الحوثيين في اليمن، وتنفيذ تحركات أمنية وعسكرية تخدم الأمن الإسرائيلي الأمريكي في منطقة القرن الأفريقي، مستفيدة من الموقع الجغرافي الحيوي للإقليم على سواحل خليج عدن، التي تمتد لنحو 800 كيلومتر.

نشر أنظمة دفاع عسكرية في الإقليم

في السياق، كشفت تقارير إعلامية أنه يجري تحويل مطار بربرة، الواقع على بعد نحو سبعة كيلومترات غرب المدينة الساحلية، إلى منشأة عسكرية متقدمة، في موقع استراتيجي يطل على خليج عدن وقريب من السواحل اليمنية.

وأظهرت صور أقمار صناعية أعمال حفر واسعة منذ أكتوبر 2025، شملت إنشاء خنادق وهياكل تحت الأرض، يعتقد أنها مخصصة لتخزين الذخيرة أو الوقود، إلى جانب منصات قد تستخدم لنشر أنظمة دفاع جوي.

تواجه منطقة القرن الأفريقي كوارث إنسانة غير مسبوقة جراء الصراعات والتدخلات الخارجية
تواجه منطقة القرن الأفريقي كوارث إنسانة غير مسبوقة جراء الصراعات والتدخلات الخارجية

وبحسب التقارير الإعلامية، جرى رصد زيارات متكررة لوفود عسكرية أمريكية تابعة لقيادة أفريكوم، إلى جانب حضور بعثات عسكرية إسرائيلية في بربرة والعاصمة هرجيسا، ما يعكس مستوى متقدما من التعاون الأمني، في ظل سعي واشنطن و"إسرائيل" إلى فرض مزيد من الهيمنة على مضيق باب المندب في مواجهة التهديدات التي يشكلها الحوثيون، وهو ما تعتبره الولايات المتحدة وسلطات الاحتلال خطا أحمر.

 وأشارت التقارير إلى أن الولايات المتحدة تبحث عن بدائل لقاعدتها في جيبوتي، بسبب وجود قاعدة عسكرية صينية قريبة، إضافة إلى قيود تفرضها جيبوتي على استخدام أراضيها لشن عمليات ضد اليمن؛ حيث يعد معسكر ليمونييه القاعدة الدائمة الوحيدة للولايات المتحدة في أفريقيا ومقرا لقوة المهام المشتركة الموحدة في القرن الأفريقي، وتضم حوالي 4 آلاف جندي أمريكي.

الاعتراف مقابل تسهيلات عسكرية

تبدو أرض الصومال –والمعروفة أيضا باسم "صومالي لاند"- أكثر استعدادا لتقديم تسهيلات عسكرية مقابل الحصول دعم سياسي من واشنطن؛ فيما تتمتع مدينة بربرة بأهمية استراتيجية متزايدة بالنسبة للولايات المتحدة، بفضل موقعها عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ومدرجها الجوي الطويل الذي يتجاوز 4 كيلومترات، إضافة إلى تطوير منشآت بحرية قادرة على استقبال سفن حربية.

بحسب تقرير سابق، نقلت "فاينانشيال تايمز" عن مسؤول أمريكي مطلع على الاتصالات الأولية لواشنطن مع انفصاليي أرض الصومال قوله: "إن مناقشات فعلية بدأت حول صفقة محتملة للاعتراف بالإقليم بحكم الأمر الواقع مقابل إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية قرب ميناء بربرة على ساحل البحر الأحمر".

وتعكس تلك المناقشات اهتمام واشنطن بتأمين وجود عسكري أمريكي طويل الأمد في ميناء بربرة المطل على الساحل الجنوبي لخليج عدن، والذي أصبح محورًا للتنافس الجيوسياسي في القرن الأفريقي، في ظل القلق الأمريكي المتزايد بشأن النفوذ الصيني المتنامي في المنطقة، لا سيما بعد أن حصلت بكين على قاعدة عسكرية في جيبوتي المجاورة.

مركز استخباراتي إسرائيلي

بالنسبة لإسرائيل، تؤكد التقارير أن التعاون العسكري بين أرض الصومال وتل أبيب يتقدم "على الأرض" عبر التدريب والزيارات المتبادلة، ما يعزز احتمالات استخدام القاعدة كنقطة انطلاق لعمليات في اليمن.

تقع جزيرة بريم اليمنية في قلب مضيق باب المندب
تقع جزيرة بريم اليمنية في قلب مضيق باب المندب

وتمثل القاعدة العسكرية قيد الإنشاء في بربرة تحولا استراتيجيا في توازنات البحر الأحمر وخليج عدن، مع احتمال أن تتحول إلى منصة عسكرية لالولايات المتحدة و"إسرائيل"، في سياق تصاعد التوتر الإقليمي وسباق النفوذ في القرن الإفريقي.

وتشير التقارير إلى أن أرض الصومال ستسمح لإسرائيل بجمع المعلومات الاستخباراتية وتنفيذ عمليات ضد الحوثيين"، موضحة أن "إسرائيل" وضعت بالفعل الأسس لإمكانية إنشاء تلك القاعدة العسكرية؛ حيث زار مجموعة من مسؤولي الأمن الإسرائيليين ساحل أرض الصومال في يونيو 2025، وأجروا عمليات مسح للشواطئ بحثا عن موقع محتمل لإنشاء القاعدة، وسط توقعات بأن تقع المنطقة المحتملة لإنشاء القاعدة على بعد حوالي 260 كيلومترا من اليمن عبر خليج عدن، وأن أحد المواقع المحتملة للقاعدة الإسرائيلية يقع على بعد نحو 100 كيلومتر غرب ميناء بربرة.

وتزامنت تلك المعلومات مع تصريحات أدلى بها وزير رئاسة أرض الصومال خضر حسين عبدي قائلا: من حيث الأمن، ستكون لدينا علاقة استراتيجية تشمل العديد من الأمور، ولم نناقش معهم إذا ما كانت ستكون قاعدة عسكرية، لكن بالتأكيد سيكون هناك تحليل في مرحلة ما.

خطوط مصرية حمراء

تمثل التحركات الإسرائيلية تهديدا خطيرا للأمن القومي المصري، ولدول البحر الأحمر كافة بشكل عام، لما تحمله من طموحات عسكرية في جنوب البحر الأحمر، وهي المساعي التي سبق واعتبرتها القاهرة "خطا أحمر"، مؤكدة ضرورة المضي في تحركات دبلوماسية لمواجهة تلك الخطوة الإسرائيلية الخطيرة.

باب المندب مثل احد أهم أوراق الضغط في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران
باب المندب مثل احد أهم أوراق الضغط في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران

وإلى جانب القاهرة، شملت التحركات أيضا الصومال وجيبوتي، بالإضافة إلى تركيا، الحليفة القوية لمقديشو، والتي أدت دورا بارزا في تهدئة التوترات المتعلقة بالإقليم، عندما سعت إثيوبيا للاعتراف به دولة مستقلة مقابل اتفاق وقعته أديس أبابا ضمنت–بموجبه– استغلال ميناء بربرة لمدة 50 عاما، ما أثار موجة اعتراضات كبيرة من عديد الدول الأفريقية، وفي القلب منها الصومال وجيبوتي ومصر.

وتعتبر مصر إقامة قواعد عسكرية على البحر الأحمر لغير دوله "خطا أحمر"، وسعت على مدار العامين الأخيرين مع دول القرن الأفريقي، لمواجهة أية مساع للتواجد العسكري الخارجي في المنطقة، خاصة بعد تحركات إثيوبيا.

حركة الملاحة في البحر الأحمر ترتبط باستقرار المنطقة

كما ترى القاهرة أن الوجود الإسرائيلي في الجنوب من خلال "أرض الصومال"، بجانب تواجدها في الشمال بإيلات، يمثل خطورة كبيرة على الأمن القومي المصري، ويمثل تهديدا اقتصاديا على مصر، لارتباط حركة الملاحة في البحر الأحمر بحالة الاستقرار في المنطقة.

وفي النهاية، تظهر مجمل هذه التطورات أن إقليم أرض الصومال بات مرشحا للتحول إلى نقطة ارتكاز مركزية في صراع النفوذ الدولي بالقرن الأفريقي، مع تصاعد التنافس الأمريكي الإسرائيلي على ترسيخ وجود عسكري واستخباراتي قرب الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب، وسط حساسيات إقليمية متصاعدة، ترى في أي وجود وجود عسكري خارجي في جنوب البحر الأحمر "خطا أحمر" قد يهدد استقرار المنطقة برمتها.

  • الفيديو المرفق يوضح أن القاعدة العسكرية الأمريكية في جيبوتي كانت من بين الأهداف المحتملة لإيران خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على طهران والتي أعلن عن توقف مؤقت لإطلاق النار بشأنها.
الجريدة الرسمية
عاجل