رحلة العذاب، حكاية خطف استمرت 12 سنة.. بطاقة رقم قومي مزورة تكشف جريمة عاملة النظافة وتعيد فاطمة لأسرتها.. المتهمة استغلت الضحية في التسول
على خطى نبي الله يوسف سارت ندى، بعد أن أبعدتها جريمة عن حضن أمها، وعلى درب اليقين مشت أم ندى، حتى رد الله لها ابنتها، وقت أن ظن الجميع أن الطفلة باتت ذكرى من الماضي لن تعود.
ولأن الكرامات باقية حتى تقوم الساعة، شاء الله عز وجل أن نرى كرامة في وسط شوارعنا، ونلمس كيف نزلت رحمة الله فحولت مأساة 12 سنة سوداء إلى فرحة وسرور.
حكاية ندى تكشف عن تفاصيل أغرب جريمة اختطاف استمرت 12 سنة، بدأت حين خرجت الطفلة ذات السبعة أعوام لشراء زجاجة مياه غازية، فتحولت إلى فاطمة بأوراق مزورة، في جريمة نفذتها عاملة نظافة ليس للرحمة مكانا في قلبها.
وشهدت أزقة وحواري المناطق الشعبية شرق القاهرة، مأساة "ندى" التي خرجت من بيت أسرتها طفلة ولم تعد إليه إلا شابة، ولكن في تفاصيل الرحلة ذاقت ندى التي أصبحت فاطمة أصنافًا من العذاب والحرمان، لو كتبها الأدباء لقال الناس إنه دربا من الخيال الجامح.
"فيتو" ترصد في السطور التالية رحلة ندى من سجن الاختطاف إلى حضن أسرتها بعد 12 سنة سوداء:
في يوم هادئ كغيره من الأيام العادية، جلس أفراد أسرة بسيطة يتجاذبون أطراف الحديث في أمور عامة وخاصة، طلبت الخالة من ابنة شقيقتها ندى، التي لم تكمل عامها السابع بعد، أن تذهب لشراء زجاجة مياه غازية، فرحت الصغيرة وأسرعت بالذهاب إلى أقرب محل للشراء، بينما وقفت والدتها في الشباك المطل على الشارع لمتابعتها ومراقبتها للاطمئنان عليها.
شاهدت الأم ابنتها وهي عائدة وعلى وجهها علامات الفرحة وتحمل في يدها زجاجة المياه الغازية، فجأة تبدل المشهد تمامًا، إثر مشاجرة اندلعت بين بعض المارة في الشارع، وسرعان ما ازدحمت المنطقة بالناس وسادت حالة من الهرج والمرج، واختفت الطفلة ندى وسط الزحام، شعرت الأم بالقلق على طفلتها الصغيرة، وراحت تترقب عودتها إلى الشقة بين لحظة وأخرى، لكنها لم تعد.
مرت الدقائق سريعًا وخشيت الأم أن يكون مكروها قد أصاب صغيرتها أثناء مرورها بالقرب من المتشاجرين، مع مرور الوقت بدأ القلق يسيطر على أفراد العائلة، فخرجوا بحثًا عن ندى، سألوا كل المحلات والسوبر ماركت الموجودة بالجوار، والجميع نفى رؤية الطفلة.
تحول القلق إلى توتر واضطراب، ازدادت ضربات قلب الأم وشعرت أن مكروهًا وقع لابنتها، هامت في الشوارع مع زوجها بحثًا عن الطفلة المفقودة، طرقت الأبواب.. وسألت كل من صادفها عن ندى، دخلت المستشفيات واستفسرت عن طفلة غائبة ربما جاءت مصابة في حادث، ولكنها لم تجد إجابة تطفئ النيران التي تأججت في صدرها.
تبدلت الأحوال داخل الأسرة المستقرة، تحول فرحها إلى هم وحزن.. غابت الابتسامة عن الجميع، الأم والأب لم ييأسا وواصلا البحث عن ندى، مرت الأيام والشهور والسنين، والأم ترفض الإقرار بوفاة ابنتها أو ضياعها إلى الأبد، ظلت على يقين أن ابنتها ستعود إلى حضنها مهما مر الزمن.
هذا ما كان من أمر أسرة ندى وأمها، أما ما كان من أمر الطفلة المسكينة فكان أكثر رعبًا وخطرًا، فبعد أن اشترت زجاجة المياه الغازية، وعلى بعد خطوات من منزلها، وقعت المشاجرة، اضطربت الفتاة الصغيرة وانزوت بجوار حائط بعد أن تملكتها حالة من الخوف الشديد.
في هذه الأثناء اقتربت منها سيدة في العقد الخامس من عمرها، وهدأتْ من روعها، ثم اصطحبتها معها بحجة توصيلها إلى أمها، سارت ندى معها ببراءة على أمل أن تصل إلى أمها، غير أن السيدة اقتادتها إلى منزلها، وهناك كشفت عن وجه قبيح، وأخبرت الصغيرة بأنها قريبتها من بعيد وأن أمها ماتت وأنها ستبقى معها.
صرخت الصغيرة صراخًا هيستيريًّا، وراحت تردد عبارات من نوعية: "عاوزة أروَّح.. عاوزة ماما".. نهرتها المرأة وهددتها بسوء العاقبة لو لم تكف عن الصراخ والعويل، فلم تجد الطفلة التى لا حول لها ولا قوة، إلا أن ترضخ لها وتنفذ كلامها.
بعد فترة قصيرة عادت ابنة تلك المرأة، وتدعى مي التي تدرس في المرحلة الثانوية، إلى المنزل وعلى وجهها علامات الغضب، لأن أمها لم تحضر لاصطحابها من الدرس الخصوصي الذي كانت تذهب له في منطقة العباسية، كما اعتادت كل مرة.
وعندما شاهدت الطفلة الصغيرة سألت أمها عنها، فأجابت الأم بأنها شقيقتها من الأب واسمها فاطمة، وأن والدها وزوجته الثانية توفيا في حادث، ورفضت خالة الطفلة أن تبقيها معها فى منزلها، لذلك فهي ستبقى معهم باعتبارها شقيقتها.
منذ اليوم الأول الذى وطأت فيه قدما الطفلة ندى المنزل، بدأت المراة التي اختطفتها تضع قيودًا كبيرة على حركتها، فمنعتها من النظر من الشبابيك بل وأغلقتها تمامًا، وحذرتها من محاولة الخروج من الباب، أو التحدث مع أحد أو القيام بأي تصرف إلا بإذن.
ووصل الأمر إلى قيام تلك المرأة بتقييدها بالحبال، حتى تضمن عدم تحركها إلى أي مكان وهي خارج المنزل، كل هذه التصرفات لفتت نظر "مي" ولكنها لم تستطع القيام بأي شيء سوى مواساة الصغيرة ومحاولة التخفيف عنها.
لغز اختطاف الصغيرة ندى
هذا ما كان من أمر الطفلة ندى وتفاصيل اختطافها وحبسها، أما أمر المرأة التى اختطفتها فقد كان شيئا آخر، فبعد أن استقرت الطفلة فى منزلها لشهور، بدأت تكشف عن سر إقدامها على خطف الطفلة، فاستخرجت أوراقا رسمية مزورة لها، أثبتت فيها أن اسمها فاطمة ووالدها هو زوج الخاطفة، وأمها هى زوجته الثانية.
ولم تكتف بذلك بل تمكنت بطرق احتيالية من استخراج شهادة وفاة مزورة، لوالد الطفلة المزعوم، كي تبدو أمام القانون وكأنها يتيمة الأب ولا عائل لها، ثم استخدمت تلك الأوراق فى الحصول على أموال وعطايا من الناس ومن الجمعيات الخيرية الأهلية.
سارت الحياة على هذه الوتيرة سنوات وسنوات، فقدت الصغيرة كل فرصها فى التعليم، وحرمت من حنان الأم وتدليل الأب، لم تعش طفولتها مثل أقرانها، بل أصبحت وسيلة للتسول واستجداء الناس، استغلتها خاطفتها فى التربح وجني الأموال بطريقة غير مشروعة.
صدفة تكشف المستور
ولأن لكل بداية نهاية، فقد لعب القدر لعبته وشاءت إرادة الله ان ينكشف سر اختطاف ندى، فبعد مرور نحو 12 عاما عاشتها الفتاة فى ضياع وعذاب، وحرمت من حقوق كثيرة أبرزها التعليم، أرادت شقيقتها المزعومة "مي" وزوجها، أن يستخرجا لها بطاقة رقم قومي، فذهبا بها إلى السجل المدني لإنهاء الإجراءات.
وعند إدخال بياناتها اكتشف الموظف المختص أن الأب المكتوب اسمه فى شهادة الميلاد على قيد الحياة وليس متوفى، وعند التحقق من الأوراق تبين أن شهادة ميلاد الفتاة مزورة، وكذلك شهادة وفاة الأب المزعوم، وأن الفتاة لا تربطها أي صلة قرابة، سواء بالمرأة التي اختطفتها أو بشقيقتها المزعومة "مي".
أمام هذه الصدمة المدوية، بدأت مي تروي لزوجها تفاصيل طفولتها المأساوية مع والدتها، التى كانت تستغلها هى وشقيقتها المزعومة "فاطمة" بعد أن ظهرت فى حياتها فجأة، فى استجداء الناس والجمعيات الأهلية والخيرية بزعم أنهما يتيمتان.
وهنا أدرك الزوج أن الفتاة فاطمة وراءها حكاية مثيرة، فتواصل مع مسئول صفحة أطفال مفقودة على موقع فيس بوك، وشرح له كافة التفاصيل، نشر مسئول الصفحة القصة كاملة، كما جاءت على لسان "مي"، وبالبحث تبين أن الصفحة سبق وأن نشرت صورة لطفلة مفقودة اسمها ندى عام 2015، وتطابقت مواصفات وتفاصيل حكايتها وظروف اختفائها مع ما ذكرته مي، ما يرجح أن فاطمة هى نفسها ندى المختفية منذ 12 عامًا.
وبعد رحلة بحث طويلة، تم التوصل إلى أسرة الطفلة ندى، كادت الفرحة أن تذهب بعقل الأم الحقيقية، عندما شاهدت ابنتها الطفلة وقد صارت شابة، وكان لا بد من التأكد من صحة نسب الفتاة إلى والديها الحقيقيين، فتم إجراء تحليل البصمة الوراثية، وجاءت النتيجة لتؤكد أن ندى هي الابنة المفقودة.
أما المرأة التي اختطفتها فقد ألقت الأجهزة الأمنية القبض عليها، وتبين أنها عاملة نظافة، واعترفت بتفاصيل جريمتها طمعا في تحقيق مزيد من الأموال عن طريق تبرعات المواطنين، والجمعيات الخيرية، وأحيلت إلى النيابة العامة لاستكمال التحقيقات معها.
نقلا عن العدد الورقي..
