رئيس التحرير
عصام كامل

حين تتحول “الفاكهة الذهبية” إلى عبء، كيف سقطت الفراولة في فخ الوفرة؟

الفراولة
الفراولة
18 حجم الخط

لم تكن الأزمة هذه المرة نقصًا في المحصول، بل فائضًا قاتلًا، وفي مشهد صادم، تحولت الفراولة التي طالما وُصفت بـ"الفاكهة الذهبية" من رمز للربح والتصدير إلى عبء ثقيل على كاهل مزارعيها، بعدما فقدت قيمتها في الأسواق المحلية. 

صناديق كاملة تُلقى في الأراضي، وأخرى تُستخدم كعلف للمواشي، بينما يقف المزارع عاجزًا أمام محصوله الذي كان ينتظر أن يجني منه أرباح الموسم، ليجد نفسه بدلًا من ذلك يواجه خسائر متراكمة.

المفارقة الصادمة أن هذه الأزمة تتزامن مع أداء قوي لمصر على مستوى الإنتاج والتصدير، فبحسب بيانات رسمية، يصل إنتاج مصر من الفراولة إلى نحو 650 ألف طن سنويًا، فيما تصدرت البلاد قائمة أكبر مصدري الفراولة المجمدة عالميًا، بإجمالي صادرات بلغ 697 مليون دولار خلال 2025، وبنمو وصل إلى 25% مقارنة بالعام السابق.

ورغم هذه المؤشرات، قلّل وزير الزراعة علاء فاروق من حدة الأزمة، مؤكدًا أن تراجع الأسعار كان في بداية الموسم فقط، وأن الأسعار عالميًا تشهد ارتفاعًا، بما يشير إلى إمكانية تعافي السوق.

لكن الواقع داخل الحقول مختلف تمامًا، فمع بدء موسم الحصاد، تراجع سعر الكيلو في السوق المحلي إلى نحو 10 جنيهات فقط، وهو سعر – بحسب المزارعين – لا يغطي تكاليف الإنتاج بأي شكل. ويقول عدد من المزارعين إنهم باتوا أمام خيارين أسوأ من بعضهما البعض: إما البيع بخسارة فادحة أو التخلص من المحصول.

وفي هذا السياق، حذر على عيسى، أحد المزارعين بمحافظة البحيرة، من تداعيات أخطر للأزمة، مشيرا إلى أن استمرار مشاكل تصدير الفراولة بهذا الشكل قد يدفع كثيرًا من المزارعين إلى السجن، بسبب عدم قدرتهم على سداد قروض البنوك والالتزامات المتراكمة، مضيفا أن الأزمة لا تتوقف عند التسويق فقط، بل تمتد إلى ارتفاع تكاليف التشغيل اذ أصبحت فواتير الكهرباء الخاصة بري المحاصيل عبئًا كبيرًا، خاصة مع تطبيق العدادات الرقمية، وهو ما يزيد من الضغوط المالية على المزارعين.

من جانبهم، يرى خبراء أن ما يحدث يتجاوز مجرد تقلبات سعرية طبيعية، ليعكس خللًا أعمق في إدارة المنظومة الزراعية، ويؤكد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والأراضي بكلية الزراعة جامعة القاهرة أن المشكلة الأساسية هي غياب التخطيط، فلا توجد إرشادات واضحة للمزارعين تحدد المساحات المناسبة لكل محصول، سواء للسوق المحلي أو التصدير، ما يؤدي إلى زيادة عشوائية في الإنتاج وانهيار الأسعار. 

وأضاف نور الدين أن الأزمة لم تعد مقتصرة على الفراولة، فهناك خسائر في البطاطس والبصل والموالح أيضًا، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض العائد.

“فاصل العروات” تفسير علمي لتقلب الأسعار

من زاوية أخرى، يوضح المهندس محمد محي، مهندس زراعي وخبير تغذية النبات، أن جزءًا من الأزمة يرتبط بطبيعة السوق الزراعي نفسه، لافتا إلى أن ما يحدث مرتبط بما يسمى "فاصل العروات"، فعندما يقل المعروض ترتفع الأسعار، لكن في حالة الفراولة الآن نحن في ذروة الإنتاج، ما أدى إلى وفرة كبيرة وانخفاض الأسعار."

وأكد محي أن الزراعة اليوم تحتاج إلى إدارة ذكية للتوقيت، وليس فقط زيادة الإنتاج، لأن السوق هو الذي يحدد الربح الحقيقي.

الوفرة غير المدروسة سبب الأزمة

وفي السياق نفسه، قال مصدر بشعبة البحوث الزراعية بالمركز القومي للبحوث، فضل عدم ذكر اسمه، إن أزمة الفراولة الحالية تعكس خللًا هيكليًا في إدارة الإنتاج الزراعي، وليس مجرد أزمة موسمية عابرة.

وأوضح المصدر أن التوسع الكبير في زراعة الفراولة خلال السنوات الأخيرة، مدفوعًا بارتفاع عوائدها في مواسم سابقة، أدى إلى زيادة المساحات المزروعة بشكل يفوق احتياجات السوق، ما خلق حالة من التشبع وانهيار الأسعار.

وأضاف أن غياب خريطة زراعية واضحة، تُنظم العلاقة بين الإنتاج واحتياجات السوق، يُعد أحد أبرز أسباب الأزمة، مؤكدًا أن الوفرة في حد ذاتها ليست مشكلة، لكن غياب التخطيط هو ما يحولها إلى خسارة.

وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج، خاصة مستلزمات الزراعة والطاقة، ضاعف من حجم الأزمة، حيث أصبح المزارع يتحمل تكلفة مرتفعة في مقابل عائد منخفض، ما يهدد استمرارية بعضهم في النشاط الزراعي، لافتا إلى أن السوق التصديري، رغم قوته، لا يستوعب كامل الإنتاج، وهو ما يستدعي إعادة النظر في سياسات التوسع الزراعي وربطها بقدرات التسويق الفعلية.

حل الأزمة

ويرى خبراء الزراعة أن الحل يبدأ من إعادة تنظيم المشهد الزراعي بالكامل، عبر وضع خريطة زراعية واضحة تحدد المساحات المناسبة لكل محصول، وربط الإنتاج باحتياجات السوق المحلي والتصديري، وتوجيه المزارعين بمواعيد الزراعة لتفادي تكدس المحاصيل، وتخفيف الأعباء المالية، خاصة تكاليف الكهرباء ومدخلات الإنتاج. 

الجريدة الرسمية