رئيس التحرير
عصام كامل

نبيل فهمي.. رحلة ممتدة من قوانين الفيزياء إلى دهاليز القرار الدبلوماسي العربي

الأمين العام الجديد
الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي
18 حجم الخط

قد يكون للإرث العائلي دور واضح في انتقال السفير نبيل فهمي، الذي صوت وزراء الخارجية العرب بالإجماع اليوم على ترشيحه لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية خلفا لأحمد أبو الغيط، من مجال العلوم إلى السلك الدبلوماسي؛ حيث تولى والده إسماعيل فهمي وزارة الخارجية المصرية بين عامي 1973 و 1977، وهي مرحلة مضطربة بدأت بحرب أكتوبر وانتهت باستقالته احتجاجا على سياسات الرئيس الراحل أنور السادات خلال مفاوضاته مع "إسرائيل".

ولد فهمي في نيويورك عام 1951، وحصل على بكالوريوس في الفيزياء والرياضيات عام 1974، ونال درجة الماجستير في الإدارة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1976، قبل أن يتجه إلى العمل بوزارة الخارجية المصرية، ومن المقرر أن تجري الموافقة النهائية على تعيينه خلال القمة العربية المقبلة في المملكة العربية السعودية، بحيث يبدأ مهام منصبه رسميا اعتبارا من مطلع يوليو القادم ولمدة خمس سنوات مقبلة.

ومنذ بدايات عمله في السلك الدبلوماسي، تبنى فهمي أسلوبا دبلوماسيا يتسم بالاختصار والدقة في التعبير، مع الحفاظ على هدوء ملامحه في مواجهة التحديات، وهو ما انعكس على حضوره وشخصيته التي تجمع بين خلفيته العلمية وخبرته الطويلة في العمل الدبلوماسي؛ حيث شغل منصب وزير الخارجية في مصر خلال الفترة من يونيو 2013 إلى يوليو 2014، وعمل سفيرا لمصر في الولايات المتحدة بين عامي 1999 و2008، وفي اليابان من 1997 إلى 1999.

يحكي فهمي في مذكرات أنه "مر بأربع فترات حياتية"، الأولى بين 1967 و1973؛ حيث كان في بواكير الشباب، وتأثر خلالها بالتطورات الداخلية والخارجية الكبرى التي كانت تحدث دون أن يكون طرفا مساهما فيها". 

من دبلوماسي ناشىء إلى صانع فاعل في الخارجية المصرية

أما الفترة الثانية فكانت السنوات الخمس التي تلت حرب 1973، والتي يحكي بعضا من تفاصيلها قائلا: أصبح والدي إسماعيل فهمي وزيرا للخارجية وعضوا في الدائرة الضيقة لصناعة القرار مع الرئيس أنور السادات، وخلال هذه الفترة كنت قريبا من الأحداث وشاهدا عليها، ثم التحقت بوزارة الخارجية دبلوماسيا ناشئا.

ويمضي فهمي في مذكراته التي حملت عنوان "في قلب الأحداث.. الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير" قائلا:  أما الفترة الثالثة فكانت خلال العقدين التاليين؛ حيث أصبحت دبلوماسيا أشغل مناصب مؤثرة وأتحمل مسؤوليات حساسة في وزارة الخارجية تجعلني مشاركا في الأحداث من حيث بلورتها أو تنفيذها حتى عندما كان يتخذ القرار بشأن بعضها على مستويات سياسية أخرى.

ربما كانت المرحلة الثالثة من حياة فهمي المحطة الأبرز من الناحية المهنية،  حيث ارتبط بعلاقة قوية بوزير الخارجية المصري الأسبق والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، وكان مستشاره السياسي في مؤتمر مدريد للسلام الذي بدأ فى 30 أكتوبر 1991، ومثل حدثا بالغ الأهمية فى مسيرة الصراع العربى الإسرائيلي.

لخص الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية علاقته بالسفير نبيل فهمي قائلا: والده كان أستاذى، وهو كان تلميذى ثم زميلى، ثم وزيرى
لخص الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية علاقته بالسفير نبيل فهمي قائلا: والده كان أستاذي، وهو كان تلميذي ثم زميلي، ثم وزيري

يلخص موسى علاقته بـ"فهمي" الأب والابن قائلا: والده إسماعيل فهمي كان أستاذي، أما نبيل فكان تلميذي، ثم زميلي، ثم وزيري؛ وأعجبني في كتابه “حسن السرد وتسلسل العرض”، ودعوته إلى شحذ الفكر وتنشيط النقاش حول أمور عديدة في مرحلة مهمة من تاريخ مصر وتأثيرها على دور مصر الإقليمي والدولي.

الشرق الأوسط وعواصف لا تنتهي

وعن المرحلة الرابعة، يقول فهمي: تلك هي الفترة التي حملت فيها حقيبة الخارجية المصرية، والتي امتدت منتصف 2013 إلى منتصف 2014، حيث تحملت مسؤولية إدارة السياسة الخارجية المصرية خلال فترة تموج فيها الأحداث والاضطرابات بالعالم العربي والشرق الأوسط.

وفي المساحات الفاصلة، كان فهمي في قلب سلسلة أحداث لا تنتهي من العواصف خلال عمله في مكتب رئيس الجمهورية للاتصالات ودبلوماسيا في بعثات وسفارات مصرية عديدة مثل انتهاء الحرب الباردة بين الدول الكبرى، والاجتياح العراقي للكويت، وكارثة سقوط طائرة مصر للطيران أمام السواحل الأمريكية وتوغل الإرهاب في أنحاء مختلفة من العالم، وما أعقبها من أحداث في أفغانستان وتفجيرات 11 سبتمبر والغزو الأمريكي للعراق، وثورة 25 يناير 2011 وصولا إلى 30 يونيو 2013.

الذكاء الاصطناعي وثروة العقول في العالم العربي

يرى فهمي أن العالم العربي يمتلك طاقة شبابية هائلة تضاهي في قيمتها احتياطيات النفط والطاقة. كما يؤكد إيمانه بالإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي في المنطقة، متوقعا أن يحقق الشرق الأوسط نحو 2% من إجمالي العوائد العالمية لهذا القطاع بحلول عام 2030، أي ما يقارب 320 مليار دولار.

نشر نبيل فهمي مذكراته بعنوان
نشر نبيل فهمي مذكراته بعنوان "في قلب الأحداث.. الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير"

ويشدد فهمي على أهمية تمكين الشباب في المجتمعات العربية، خاصة أن أكثر من 60% من السكان دون سن الثلاثين، إلى جانب ضرورة التوجه نحو إنشاء مدن ذكية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير إنتاج النفط بالتوازي مع التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة. 

التأثر بدراسة الفيزياء والرياضيات

تكشف كتابات فهمي تأثره بدراسة العلوم؛ حيث يدعو إلى دعم الزراعة الدقيقة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لمواجهة تحديات ندرة المياه، والاستفادة من هذه التقنيات في تعزيز قدرات الاستخبارات وأمن الحدود، عبر تحليل كميات ضخمة من البيانات -مثل صور الأقمار الصناعية والمعلومات الالكترونية- بسرعة وكفاءة، مما يسهم في تسريع الاستجابة للتهديدات الأمنية، ومكافحة التضليل الإعلامي وتقنيات التزييف العميق.

مسيرة فهمي تعكس –إذا- نموذجا فريدا لدبلوماسي جمع بين عمق التكوين العلمي وصلابة الخبرة العملية، ما أتاح له قراءة التحولات الدولية والإقليمية بعين تحليلية دقيقة. فمن قلب الأحداث الكبرى إلى مواقع صنع القرار، ظل فهمي حاضرا في لحظات مفصلية شكلت ملامح المنطقة.

الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن والرئيس الأمريكي جيمي كارتر في منتجع كامب ديفيد
الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن والرئيس الأمريكي جيمي كارتر في منتجع كامب ديفيد

رؤية استشرافية تصطدم بحسابات الحرب

ولا يقتصر حضوره على الماضي، بل يمتد إلى استشراف المستقبل؛ حيث يراهن على طاقات الشباب العربي، ويضع الذكاء الاصطناعي في صدارة أدوات النهضة والتنمية، بما يعزز من قدرة العالم العربي على المنافسة في اقتصاد المعرفة.

ومع ذلك، يبقى التساؤل مطروحا: هل تنجح هذه الرؤية في تحصين المنطقة من الانزلاق نحو صراعات كبرى في ظل حرب أمريكية إسرائيلية على إيران ومخططات إسرائيلية لحروب أبدية لا تنتهي، أم أن تعقيدات الواقع السياسي ستفرض مسارات مغايرة؟ الإجابة تظل رهينة بقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على تغليب منطق الحوار والتوازن على حساب التصعيد والمواجهة.

الجريدة الرسمية