رئيس التحرير
عصام كامل

وماذا بعد؟

18 حجم الخط

في ظل صراع الشرق الأوسط أعيش مثل غيري فى حالة من القلق والتفكير العميق، في ظل ما يشهده الشرق الأوسط من صراع متصاعد وحروب وتوترات بين قوى إقليمية ودولية، صراع لا يقف عند حدود الدول المتحاربة فقط، بل تمتد آثاره إلى الاقتصاد والسياسة والأمن والاستقرار في المنطقة كلها.

وفي خضم هذه الأحداث، أجد نفسي أطرح سؤالًا لا يتعلق بالحرب وحدها، بل بالمستقبل: وماذا بعد؟ وماذا عن مصر في ظل كل ما يحدث حولها؟ أنا أؤمن بأن مصر بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي والتاريخي لا يمكن أن تكون بعيدة عن أي تغيير يحدث في المنطقة. 

فالتاريخ يعلمنا أن أي إعادة تشكيل للشرق الأوسط تكون مصر في قلبها، سواء سياسيًا أو اقتصاديًا أو استراتيجيًا. ولذلك أرى أن التفكير في المستقبل لا يجب أن يكون مجرد رد فعل للأحداث، بل يجب أن يكون قائمًا على رؤية واضحة لما يجب أن تكون عليه مصر خلال السنوات القادمة. 

ومن وجهة نظري، فإن رؤية مصر في ظل هذه الظروف يجب أن تقوم على عدة محاور أساسية. أول ما أفكر فيه هو بناء اقتصاد قوي قائم على الإنتاج وليس الاستهلاك. فأنا أعتقد أن القوة الحقيقية للدول في العصر الحديث لم تعد القوة العسكرية فقط، بل أصبحت القوة الاقتصادية والإنتاجية. الدولة التي تنتج غذاءها وصناعتها وتصدر للخارج هي الدولة التي تمتلك قرارها. 

ولذلك أرى أن الاتجاه الحقيقي يجب أن يكون نحو التصنيع، وتوطين الصناعة، وزيادة الصادرات، وتقليل الاستيراد، ودعم المشروعات الإنتاجية، لأن الاقتصاد القوي هو أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي. 

الأمر الثاني الذي أراه شديد الأهمية هو تحقيق الأمن الغذائي وأمن الطاقة. فالعالم الآن يتجه إلى مرحلة قد تكون فيها الحروب الاقتصادية أخطر من الحروب العسكرية، والدول التي لا تمتلك غذاءها وطاقتها تصبح تحت ضغط دائم. ولذلك أرى أن الزراعة الحديثة، وتحلية المياه، والطاقة الجديدة والمتجددة، لم تعد مجرد مشروعات تنموية، بل أصبحت جزءًا من مفهوم الأمن القومي. 

أما المحور الثالث الذي أؤمن به بشدة فهو الاستثمار في الإنسان المصري. فأنا أرى أن التعليم، والبحث العلمي، والصحة، وبناء الوعي، هي أهم عناصر قوة الدولة في المستقبل. فالدول لا تتقدم بالموارد فقط، بل بالعقول. والمرحلة القادمة ستكون للدول التي تمتلك المعرفة والتكنولوجيا والابتكار، وليس فقط الأراضي أو الموارد الطبيعية. 

وأرى أيضًا أن لمصر دورًا إقليميًا مهمًا يجب أن تحافظ عليه، وهو دور الدولة التي تحقق التوازن والاستقرار في المنطقة. فمصر تاريخيًا ليست دولة تبحث عن الصراعات، بل دولة تسعى إلى الاستقرار والحلول السياسية، وفي ظل الصراعات الحالية قد يزيد الدور السياسي المصري في الوساطة وحفظ التوازن الإقليمي، وهو دور مهم جدًا في منطقة مضطربة مثل الشرق الأوسط. 

فإن قوة الدولة الحديثة لا تقوم فقط على الاقتصاد أو السياسة، بل تقوم أيضًا على الإدارة القوية والمؤسسات القوية. لذلك أرى أن التحول إلى دولة قوية إداريًا ومؤسسيًا، تقوم على الحوكمة والشفافية وكفاءة المؤسسات، هو أمر بالغ الأهمية، لأن الدول لا تسقط بسبب الفقر فقط، ولكن قد تسقط بسبب ضعف الإدارة وسوء إدارة الموارد. 

وفي النهاية، أرى أن ما يحدث في الشرق الأوسط قد يغير شكل المنطقة خلال السنوات القادمة، ولكن الدول القوية ليست التي تخاف من التغيرات، بل التي تستعد لها. ومصر دولة كبيرة بتاريخها وجغرافيتها وشعبها، ولكن التحدي الحقيقي ليس في حجم الدولة، بل في كيفية إدارة المستقبل. 

ولذلك أجد نفسي دائمًا أعود إلى سؤال واحد: لم يعد السؤال الآن ماذا يحدث حولنا، ولكن السؤال الأهم: كيف أرى مصر بعد عشر سنوات؟ هل أراها دولة مستهلكة أم دولة منتجة؟ هل أراها دولة تعاني من الأزمات أم دولة تصنع الفرص؟ هل أراها دولة تتأثر بالأحداث أم دولة تؤثر فيها؟ وأنا أعتقد أن الإجابة الحقيقية ليست في تحليل الحاضر فقط، بل في القدرة على صناعة المستقبل.

الجريدة الرسمية