محطة مهمة في تاريخ البحث العلمي المصري، إنجاز غير مسبوق بجامعة المنصورة، فريق بحثي يتوصل إلى أسلاف القردة العليا، وباحثة مصرية تزين "Science" العالمية
نجح فريق بحثي بمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية "سلام لاب"، بقيادة الدكتور هشام سلام، في نشر دراسة بمجلة Science العالمية. تناول البحث نوعًا جديدًا من أسلاف القردة العليا عاش قبل نحو 18 مليون سنة وتم العثور عليه بالصحراء الغربية.

وجسّد البحث الجديد محطة مهمة في تاريخ البحث العلمي المصري، حيث تم إنجازه ونشره بالكامل من داخل مؤسسة مصرية في مجلة "Science"، إحدى أعرق وأهم الدوريات العلمية عالميًا، بقيادة مصرية كاملة ومن داخل جامعة المنصورة، بباحث رئيسي وتمويل مصري خالص.
ويعكس ذلك انتقال المؤسسات البحثية المصرية من المشاركة إلى الريادة وقدرتها على إنتاج معرفة تنافس عالميًا. ويعد هذا الإنجاز محطة مهمة في البحث العلمي المصري؛ نظرًا لمكانة مجلة "Science" العالمية ومعاييرها شديدة التنافسية، إذ لا تتجاوز نسبة القبول بها نحو 6% من إجمالي الأبحاث سنويًا.

كما يمثل الإنجاز نقلة نوعية في فهم تطور القردة العليا، ويعزز مكانة مركز الحفريات الفقارية عالميًا، كما يدعم تمكين المرأة، حيث قادت الدراسة الدكتورة شروق الأشقر، لتكون أول باحثة مصرية تقود بحث علمي في مجلة Science.
الفريق البحثي المشارك في الكشف يروي تفاصيل العثور على الحفريات
وكشف الدكتور هشام سلام، قائد الفريق البحثي، أن الفريق استمر لأكثر من خمس سنوات في البحث الميداني عن حفريات القردة العليا في منطقة المغرة.
واكد أن هذا الاكتشاف جاء تتويجًا لجهود طويلة من العمل الدؤوب، مشيرًا إلى أن هذا الإنجاز يمثل رسالة قوية إلى الشباب المصري بأن المنافسة على أعلى المنصات العلمية العالمية ممكنة من داخل مصر، وأن الاستثمار في البحث العلمي قادر على وضع المؤسسات المصرية في قلب الاكتشافات التي تعيد كتابة تاريخ الحياة على الأرض.

أول باحثة مصرية تقود بحثا علميا في مجلة Science
وأوضحت الدكتورة شروق الأشقر، المؤلف الرئيسي للدراسة، أن الحفرية - رغم اقتصارها على أجزاء من الفك والأسنان - تحمل دلالات علمية مهمة؛ حيث تكشف عن نظام غذائي مرن يعتمد على الفواكه مع القدرة على معالجة الأغذية الأكثر صلابة، بما يعكس قدرة مبكرة على التكيف مع البيئات المتغيرة، وهي من السمات الأساسية في نجاح القردة العليا وانتشارها لاحقًا.
وأشارت الأشقر إلى أن الدراسة اعتمدت على تحليل تطوري متكامل جمع بين البيانات الجزيئية المستمدة من الأنواع الحديثة، والخصائص التشريحية للحفريات؛ حيث شمل نحو 60 ألف قاعدة وراثية من 67 جينًا نوويًا، و10 جينات ميتوكوندرية، إلى جانب 268 صفة تشريحية للقردة الحديثة والمنقرضة، ما أتاح بناء شجرة تطورية دقيقة وتحديد الموقع التطوري لهذا النوع الجديد بدرجة عالية من الدقة.

كما أشار البروفيسور إيريك سيفرت، عالم الحفريات بجامعة جنوب كاليفورنيا والمؤلف المشارك في الدراسة، إلى أن نتائج التحليل تمثل تحديًا قويًّا للنظريات التقليدية التي كانت تحصر نشأة القردة العليا في شرق أفريقيا، مؤكدًا أن هذا الاكتشاف يوسع النطاق الجغرافي ليشمل شمال أفريقيا والشرق الأوسط كمناطق محورية في هذا التطور.
وزير التعليم العالي يشيد بالبحث وبقدرة الباحثين المصريين على المنافسة عالميا
وهنأ وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور عبد العزيز قنصوة، جامعة المنصورة بهذا الإنجاز العلمي المتميز، مؤكدًا أنه يعكس قدرة المؤسسات الأكاديمية على الإسهام في إنتاج المعرفة عالميًّا.
وأشار إلى أن الدولة، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تولي اهتمامًا كبيرًا بتطوير التعليم العالي والبحث العلمي، من خلال سياسات تدعم التميز البحثي، وتعزز النشر الدولي، وتدعم الشراكات العلمية، إلى جانب الاستثمار في الكوادر البشرية والبنية التحتية.

وأشار الوزير إلى العمل على توفير بيئة علمية محفزة تمكن الباحث المصري من الإبداع، وتمنحه الأدوات اللازمة للمنافسة في كبرى المنصات العلمية العالمية، بما يسهم في تعزيز مكانة مصر إقليميًّا ودوليُّا، وترسيخ دورها كقوة ناعمة قائمة على العلم والمعرفة.
كما أكد قنصوة أن نشر هذا البحث في مجلة "Science"، يؤكد أن ما تبنته الدولة من توجهات إستراتيجية بدأ يؤتي ثماره، ويبرهن على قدرة الجامعات المصرية على إنتاج معرفة علمية رفيعة تسهم في تطوير الفهم الإنساني في مجالات متقدمة، مشيرًا إلى أن أهمية هذا الإنجاز لا تقتصر على كونه سبقًا علميًّا لمؤسسة مصرية، بل تمتد إلى القيمة العلمية للاكتشاف ذاته، الذي يعزز مكانة شمال إفريقيا والشرق الأوسط كمناطق محورية في فهم تطور الحياة على الأرض بعد أن كانت تعد مجرد ممر جغرافي.
وأوضح الوزير أن هذا الإنجاز يمثل بداية لمرحلة جديدة تستهدف مضاعفة النجاحات، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي ودولي لإنتاج المعرفة، ودعم الباحثين للانخراط في القضايا العلمية الكبرى.

الكشف عن حفرية جديدة من أسلاف القردة بالصحراء الغربية
وتناول البحث نوعًا جديدًا من أسلاف القردة العليا يحمل اسم مَصريبثيكس موغراينسيس (Masripithecus moghraensis)، عاش قبل نحو 18 مليون سنة خلال العصر الميوسيني المبكر، وقد عثر على حفرياته في الصحراء الغربية، ويعد أول دليل مؤكد على وجود أسلاف القردة العليا في شمال إفريقيا، بما يؤكد أن المنطقة كانت موطنًا رئيسيًا لتطورها وليس مجرد ممر جغرافي.
وقد حرص الفريق البحثي على أن تعكس تسمية الكشف الجديد الهوية المصرية؛ إذ يجمع اسم "مصريبثيكس" بين "مصر" والكلمة اليونانية "بيثيكوس" بمعنى "قرد"، بينما يشير "موغراينسيس" إلى وادي المغرة، موقع الاكتشاف.

وتم إنجاز البحث بدعم وتمويل مشترك من جامعة المنصورة، وهيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار (STDF) التابع لوزارة التعليم العالي، ومؤسسة The Leakey Foundation، في إطار دعم البحث العلمي وتعزيز الشراكات الدولية في المشروعات البحثية ذات التأثير العالمي.




