رئيس التحرير
عصام كامل

تفجيرات نيجيريا الدامية تكشف استغلال التنظيمات الإرهابية لفوضى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتحويل العالم إلى ساحات صراع مفتوحة.. وكاتب: الإتجار في السلاح وتجنيد عناصر عبر الحدود يولد الشكوك

قوات الإسعاف تنقل
قوات الإسعاف تنقل ضحايا التفجيرات الإرهابية في نيجيريا
18 حجم الخط

في لحظة دولية مضطربة تتداخل فيها ساحات الصراع وتتشابك فيها الأولويات الأمنية، تعود نيجيريا إلى واجهة المشهد عبر موجة تفجيرات دامية، شهدتها صباح اليوم الثلاثاء، تعكس تعقيدات المشهد الأمني في منطقة الساحل وغرب أفريقيا. 

ففي ظل الفوضى التي تجتاح العالم جراء الحرب الإمريكية الإسرائلية على إيران، استيقظت نيجيريا على ثلاثة انفجارات نفذها انتحاريون تفجيرات في مدينة مايدوجوري بولاية بورنو الواقعة شمال شرق البلاد.

وقالت قيادة الشرطة النيجيرية في بيان على صفحتها الرسمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي: إن "التفجيرات أدت إلى مقتل 23 شخصا وإصابة 108 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة".

وبحسب التحقيقات الأولية، فقد فجر انتحاريون عبوات ناسفة محلية الصنع بالقرب من مستشفى جامعي وسوق وطريق سريع. وقامت الشرطة بتفتيش المنطقة بحثا عن متفجرات أخرى، لكنها لم تعثر على شيء؛ ونقل المصابون إلى المستشفيات، فيما تواصل جهات إنفاذ القانون تحقيقاتها بشأن الحادث.

ولا يمكن قراءة الهجمات التي استهدفت مدينة مايدوجوري بمعزل عن سياق أوسع يتجاوز حدود الداخل النيجيري، ليرتبط بتصاعد الانخراط العسكري الأمريكي في أماكن تبدو أكثر التزاما بقواعد القانون الدولي، تاركة العالم في حالة فوضى ملائمة لتحركات –أكثر حرية- للتنظيمات الإرهابية مثل داعش وبوكو حرام لاستعادة بريقها.

قوات أمريكية لمكافحة داعش

وفي 16 فبراير 2026، وصلت قوة أمريكية إلى نيجيريا  للمشاركة بعمليات ضد الإرهاب؛ أكد نائب قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) جون برينان أن الولايات المتحدة تعزز عمليات تسليم المعدات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع نيجيريا في ظل المواجهة التي يخوضها الجيش النيجيري مع التنظيمات المتطرفة.

وقال برينان في مقابلة مع وكالة "فرانس برس": نحاول تسريع عملية بيع المعدات العسكرية الأجنبية لتمكينهم من شراء المزيد.

وأضاف: تقدم واشنطن أيضا مجموعة شاملة من خدمات تبادل المعلومات الاستخباراتية، بما في ذلك رحلات استطلاع جوية لدعم الضربات الجوية التي تقودها نيجيريا.

ضربات ضد "داعش" في منطقة الساحل

وأشار برينان إلى أن الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة في شمال غرب نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025، استهدفت مسلحين مرتبطين بجناح تابع لتنظيم داعش ينشط بشكل رئيسي في النيجر المجاورة.

وتابع: التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل كانت تستخدم تلك المناطق كقاعدة انطلاق، وآخر المعلومات التي تلقيناها من النيجيريين أشارت إلى أنها كانت مرتبطة بتنظيم داعش.

عناصر تابعة لجماعة بوكو حرام
عناصر تابعة لجماعة بوكو حرام

وفي 26 ديسمبر 2025، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أوامره بشن ضربات عسكرية ضد تنظيم "داعش" في نيجيريا، في خطوة أثارت قلق دول أفريقية من أن يكون ذلك مدخلا لتدخلات أمريكية أوسع.

التهديدات الإرهابية قد تستغل لتبرير التدخلات الأجنبية في أفريقيا

وفي أعقاب تلك الهجمات والتهديدات الإرهابية، نشر موقع "موردن غانا" مقالا للكاتب والناشط الأفريقي في مجال الدفاع عن الوحدة الأفريقية والمتخصص في شئون الحركات الإرهابية في غرب أفريقيا مافا كوانيساي مافا، حذر فيه من أن تهديدات الإرهاب قد تستغل لتبرير التدخلات الأجنبية في شئون الدول الأفريقية الداخلية، مؤكدا أن استمرار نشاط "داعش" على الرغم من تعرضه لمراقبة استخباراتية مكثفة يثير مزيدا من الغموض حول الأسباب الحقيقية وراء استمراره.

التدخلات الخارجية المفرطة لمواجهة "داعش" تزيد الفوضى

ويرى مافا أن الدول التي تتخذ سياسات مستقلة في إدارة الأمن والاستقرار، وتقاوم التدخلات الأجنبية، تظهر تحسنا ملموسا على الرغم من الضغوط التي تواجهها في رحلة البحث عن الخلاص من تنظيمات "داعش" وأخواتها، مؤكدا أن التدخلات و"الحلول الأجنبية ليست بالضرورة الأكثر فعالية، وأن الإفراط في التدخلات الخارجية قد يزيد الفوضى بدلا من تحقيق الاستقرار".

وتعليقا على الضربات العسكرية التي وجهتها الولايات المتحدة لمسلحي "داعش" في شمال غرب نيجيريا، قال مافا: إن تهديدات "داعش" في نيجيريا لا يمكن اعتبارها مجرد قضية محلية، بل قد تكون جزءا من استراتيجية جيوسياسية أكبر تستهدف إعادة تشكيل منطقة غرب أفريقيا.

الإتجار في السلاح وتجنيد عناصر عبر الحدود يولد الشكوك

يقول مافا: إن أفريقيا هي القارة الأكثر مراقبة في العالم، حيث تحاصرها الأقمار الصناعية، والطائرات بدون طيار، والقواعد العسكرية، والمنظمات غير الحكومية، و"الشركاء" الأجانب موجودون في كل مكان. لذلك، من الصعب تصديق أن التحركات الإرهابية تنتشر وتسافر وتتاجر بالأسلحة، وتجند عناصر عبر الحدود دون أن يلاحظها أحد؛ وعندما تحافظ هذه الجماعات على بقائها على الرغم من خضوعها لمراقبة مستمرة، يتولد الشك تلقائيا.

زمن الحروب المفتوحة

ويشدد الكاتب على ضرورة أن تتعلم أفريقيا قراءة ما وراء السطور؛ مضيفا: عندما يتصاعد الإرهاب فجأة في لحظات سياسية مناسبة، وعندما تشمل الحلول دائما استحضارا لأقدام وجيوش أجنبية وقواعد عسكرية، وعندما يحيط عدم الاستقرار بزعماء مناهضين للإمبريالية، يجب على الأفارقة أن يسألوا أنفسهم: من المستفيد؟

ووسط هذا المشهد الدولي المضطرب، والذي يتسع نطاقه مع تصاعد التوترات، وعلى رأسها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تزداد هشاشة الأطراف الأخرى، ومنها دول غرب أفريقيا، التي قد تتحول إلى ساحات موازية للصراع أو مسارح لتصفية حسابات غير مباشرة. وبينما تسعى أبوجا لاحتواء التهديدات المتصاعدة، يبقى الجدل قائما حول جدوى الانخراط العسكري الخارجي وحدود تأثيره، ويبرز سؤال أكثر إلحاحا: هل يجري التعامل مع الإرهاب كخطر أمني مستقل، أم كأداة ضمن إعادة توزيع النفوذ العالمي في زمن الحروب المفتوحة؟

الجريدة الرسمية
عاجل