الأمن الغذائي في زمن الحروب.. التموين تواجه اضطراب الأسواق بمخزون استراتيجي والرقابة المكثفة.. وحماية المستهلك يشن حملات تفتيشية موسعة لضمان توافر السلع ومنع استغلال الظروف الاستثنائية
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتكرار الأزمات الدولية، تتصدر قضية الأمن الغذائي أولويات الحكومات، خاصة في الدول التي تعتمد بدرجات مختلفة على التجارة العالمية لتوفير جزء من احتياجاتها من السلع الأساسية، فغالبًا ما تنعكس الحروب والأزمات سريعًا على الأسواق العالمية من خلال اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والشحن، إلى جانب زيادة أسعار الطاقة، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار الغذاء في العديد من الدول.
وخلال السنوات الأخيرة، واجه الاقتصاد العالمي مجموعة من الأزمات المتلاحقة، بدءًا من جائحة كورونا التي عطلت حركة الإنتاج والتجارة، مرورًا بالحرب الروسية-الأوكرانية التي أثرت بشكل كبير على أسواق الحبوب عالميًا، وصولًا إلى التوترات الإقليمية المتصاعدة في المنطقة وما قد تفرضه من تحديات على حركة الملاحة الدولية وتكاليف الشحن والتأمين.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على استقرار الأسواق المحلية وضمان توافر السلع الأساسية للمواطنين تحديًا كبيرًا يتطلب إدارة دقيقة للملف التمويني، وتعمل وزارة التموين والتجارة الداخلية على ذلك من خلال منظومة متكاملة تشمل تأمين المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، ودعم الإنتاج المحلي، وتطوير منظومة التخزين، إلى جانب تكثيف الرقابة على الأسواق لمنع الممارسات الاحتكارية أو استغلال الأزمات.
أحمد كمال، مساعد وزير التموين والمتحدث الرسمي باسم وزارة التموين والتجارة الداخلية، أكد أن الوضع التمويني في مصر مستقر وآمن فيما يتعلق بتوافر السلع الأساسية، مشيرًا إلى أن الدولة تمتلك مخزونًا استراتيجيًا كافيًا من مختلف السلع يكفي لعدة أشهر مقبلة، موضحا أن الحكومة تتابع بشكل يومي موقف المخزون في جميع المحافظات، حيث تعد مديريات التموين تقارير يومية حول كفاية الأرصدة وتوافر السلع سواء داخل المجمعات الاستهلاكية أو لدى القطاع الخاص، ويتم رفع هذه التقارير بانتظام إلى وزير التموين لضمان المتابعة الدقيقة لحركة الأسواق.
وأشار المتحدث الرسمي إلى تكثيف الحملات الرقابية على الأسواق تنفيذًا لتوجيهات رئيس مجلس الوزراء، مؤكدًا أن القانون يمنح الجهات الرقابية الصلاحيات الكاملة للتعامل مع أي محاولات للتلاعب بالأسعار أو حجب السلع بهدف احتكارها.
وأضاف أن هناك تنسيقًا يوميًا بين وزارة التموين ومباحث التموين وجهاز حماية المستهلك لمتابعة الأسواق والتعامل الفوري مع أي مخالفات، مؤكدًا أن الدولة لن تسمح بأي ممارسات من شأنها الإضرار بالمستهلكين أو التأثير على استقرار السوق.
وفي السياق ذاته، لفت كمال إلى إطلاق منصة «رادار الأسعار» التي تتيح للمواطنين المشاركة في الرقابة على الأسواق، حيث يمكن لأي مواطن تحميل التطبيق على الهاتف المحمول والإبلاغ عن أي سعر مبالغ فيه داخل نقاط البيع، ليتم فحص البلاغ فورًا واتخاذ الإجراءات اللازمة، موضحا أن الدولة تعتمد على آليات السوق الحرة مع وجود رقابة فعالة تتيح التدخل السريع حال رصد أي ممارسات تتعلق بحجب أو احتكار السلع.
وفيما يتعلق بالمخزون الاستراتيجي، أكد المتحدث الرسمي أن الوزارة نجحت في تأمين احتياجات البلاد من السلع الأساسية لعدة أشهر، وتشمل القمح والسكر والزيت والدقيق والمكرونة والأعلاف، إلى جانب اللحوم والدواجن.، مشيرا إلى أن الوزارة تعمل بالتنسيق المستمر مع وزارات الزراعة والمالية والجهات المعنية لضمان توفير السلع الأساسية وتدبير الموارد المالية اللازمة لتأمين المخزون الاستراتيجي.
من ناحيته، أكد حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية بالغرف التجارية، أن أسعار السلع الغذائية في مصر تشهد خلال الفترة الحالية حالة من الاستقرار النسبي، موضحًا أن ذلك يرجع في المقام الأول إلى توافر مخزون استراتيجي آمن من السلع الأساسية لدى الدولة، وهو ما يمنح السوق قدرًا من الاستقرار ويسهم في الحد من تأثير التقلبات العالمية على الأسعار، مشيرا إلى أن ارتفاع تكاليف الوقود والشحن البحري نتيجة التوترات الإقليمية والحرب الإيرانية قد يؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين والشحن على المستوى العالمي، وهو ما قد ينعكس بدرجات محدودة على تكلفة بعض السلع المستوردة أو مدخلات الإنتاج، خاصة إذا استمرت هذه الأوضاع لفترة طويلة.
وفيما يتعلق بتوقعات السوق خلال الفترة المقبلة، أوضح أن الأسعار مرشحة للاستقرار النسبي حتى ما بعد عيد الفطر، مدفوعة بوفرة المعروض من السلع في الأسواق المحلية منوها إلى أنه في حال استمرار التوترات الإقليمية أو ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة عالميًا لفترة ممتدة، فقد تظهر ضغوط محدودة على الأسعار خلال الأشهر المقبلة، لافتًا إلى أن هذه التأثيرات ترتبط في الأساس بتطورات الأسواق العالمية وليس بالسوق المحلي فقط.
من جانبه، قال محمد أبو شادي، وزير التموين والتجارة الداخلية الأسبق، إن وزارة التموين تمتلك، بحكم دورها التقليدي، أدوات واضحة لإدارة ملف السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها الحفاظ على مخزون استراتيجي من السلع الأساسية يكفي لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، وأوضح أن القمح يحظى باهتمام خاص، حيث يتم تأمين مخزون منه يكفي لما يصل إلى ستة أشهر نظرًا لاعتماد مصر على استيراده من دول بعيدة، ما يتطلب الاحتفاظ بكميات كبيرة لضمان استمرار منظومة إنتاج الدقيق والخبز دون أي اضطرابات.
وأشار أبو شادي إلى أن مصر سبق أن واجهت أزمات عالمية صعبة أثرت على سلاسل الإمداد والإنتاج، وكان من أبرزها جائحة كورونا التي شهد خلالها العالم تباطؤًا شديدًا في حركة التجارة والإنتاج والنقل، الأمر الذي انعكس على إمدادات السلع في العديد من الدول، موضحا أن هذه التجربة تمنح قدرًا من الثقة في قدرة الدولة على التعامل مع الأزمات الحالية، حتى في ظل حالة عدم اليقين بشأن توقيت انتهاء التوترات الإقليمية والحرب الإيرانية.
وشدد على أنه لا يؤيد ترك الأسواق بالكامل لآليات العرض والطلب دون أي تدخل من الدولة، موضحًا أن حرية السوق لا تعني ترك الأمور للفوضى أو السماح بتحقيق أرباح غير مبررة على حساب المواطنين.
وأوضح أن الأزمات والظروف الاستثنائية قد تستدعي في بعض الأحيان التدخل بالتسعير الجبري لبعض السلع الأساسية بهدف ضبط الأسواق ومنع المغالاة في الأسعار، مؤكدًا أن هذا الإجراء لا يتعارض مع مبدأ حرية السوق إذا تم تطبيقه بشكل مؤقت ومحدود ولأسباب واضحة.
وأضاف أن العديد من السلع والخدمات في مصر تخضع بالفعل لنوع من التسعير المنظم دون أن يُعد ذلك انتهاكًا لآليات السوق، مثل أسعار الوقود التي تحددها الدولة وفق آلية تسعير محددة، وكذلك أسعار الأدوية، متابعا: إذا كانت الحكومة تتدخل في تسعير الوقود أو الدواء حفاظًا على استقرار السوق، فمن الطبيعي أيضًا أن يتم التدخل في تسعير بعض السلع الأساسية مثل الخضروات أو الدواجن أو السلع الغذائية في حال حدوث أزمة أو ارتفاعات غير مبررة في الأسعار.
وأكد أبو شادي أن التسعير الجبري في هذه الحالات يكون إجراءً مؤقتًا مرتبطًا بظروف استثنائية، ولا يعني إلغاء نظام السوق الحرة، بل يهدف إلى حماية المواطنين من التقلبات الحادة في الأسعار أو من الممارسات الاحتكارية.
“أبو شادي” أشار إلى أن من بين التحديات التي تواجه الأسواق في مصر طبيعة بعض الأنشطة الاقتصادية التي تسيطر عليها مجموعات محدودة من المنتجين أو التجار، حيث تقوم بعض القطاعات على ما يمكن وصفه بـ«الاحتكار العائلي» المتوارث عبر سنوات طويلة، مشددا على أن هذه المجموعات قد يكون لها التأثير الأكبر في تحديد الأسعار داخل بعض الأنشطة، وهو ما يستدعي وجود رقابة فعالة من الدولة لضمان عدم استغلال المستهلكين.
وأضاف أن قانون حماية المنافسة لا يجرّم وجود الاحتكار في حد ذاته، وإنما يجرّم الممارسات الاحتكارية مثل الاتفاق بين مجموعة من التجار على رفع الأسعار أو تقليل المعروض من سلعة معينة، مشيرا إلى أن المشكلة تكمن في أن إثبات هذه الممارسات الاحتكارية عمليًا ليس أمرًا سهلًا، إذ يتطلب وجود أدلة واضحة تثبت اتفاق الشركات أو التجار على التلاعب بالأسعار أو التحكم في السوق، وهو ما يمثل تحديًا للجهات الرقابية نظرًا لعدم إعلان مثل هذه الاتفاقات بشكل مباشر.
من جانبه، أكد أحمد سمير فرج، رئيس جهاز حماية المستهلك السابق، أن ضبط الأسواق يعتمد بدرجة كبيرة على كفاءة أداء الأجهزة الرقابية، مشيرًا إلى أنه ما لم يصل أداء هذه الأجهزة إلى مستوى الرؤية التي تعمل بها القيادة السياسية، سيظل بعض التجار قادرين على التلاعب بالأسواق والأسعار.
وأوضح فرج أن المشكلة لا تكمن في نقص القوانين، بل في ضعف تطبيقها على أرض الواقع، لافتًا إلى أن مصر تمتلك مجموعة من القوانين القوية التي تنظم الأسواق وتحمي حقوق المستهلكين، وفي مقدمتها قانون حماية المستهلك وقانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وهما من القوانين المتقدمة التي تتضمن عقوبات رادعة، مشددا على أن التحدي الحقيقي يتمثل في تفعيل هذه القوانين بحزم، بحيث يدرك التجار أن هناك رقابة حقيقية وعقوبات يمكن أن تُطبق في حال ارتكاب أي مخالفات.
وأشار إلى أنه في حال قيام الأجهزة الرقابية بدورها بكفاءة، يمكن تحقيق توازن حقيقي في الأسواق، بحيث تكون أي زيادات في الأسعار مبررة وترتبط بارتفاع فعلي في التكلفة، وليس نتيجة استغلال الظروف أو الأزمات لتحقيق أرباح مبالغ فيها.
وأضاف أن إثبات المخالفات مثل التلاعب بالأسعار أو استغلال الأزمات يقع على عاتق الجهات الرقابية، التي يجب أن تعمل على جمع الأدلة والمستندات اللازمة لإثبات هذه الجرائم واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
ولفت إلى أن بعض التجار قد يحاولون استغلال الأزمات أو الظروف الاستثنائية، مثل الحروب أو التوترات الدولية، لتحقيق مكاسب غير مبررة، وهو ما كان يُعرف في السابق بمصطلح «تجار الأزمات» أو «تجار الحروب»، وهم من يسعون إلى تحقيق أرباح كبيرة من خلال استغلال حالة القلق أو الاضطراب في الأسواق.
وأكد أن دور الأجهزة الرقابية في هذه الحالات يتمثل في مراجعة أسباب أي زيادة في الأسعار، ومطالبة التجار بتقديم الفواتير ومستندات الشراء للتحقق مما إذا كانت الزيادة ناتجة عن ارتفاع حقيقي في التكلفة أم مجرد محاولة لتحقيق أرباح إضافية، مشددًا على أن وجود رقابة فعالة من شأنه الحد من المغالاة في الأسعار ومنع استغلال الأزمات.
من جانبه، أكد إسلام الجزار، المتحدث الرسمي لجهاز حماية المستهلك، أنه رغم المتغيرات والتوترات الإقليمية التي تؤثر على أسواق العديد من الدول، فإن الأسواق المصرية تشهد حالة من الاستقرار في سلاسل الإمداد الغذائية والسلعية، مع توافر مخزونات آمنة وأرصدة كافية من السلع الاستراتيجية بما يضمن استمرار توفيرها للمواطنين دون انقطاع.
وأوضح الجزار أن الدولة تمتلك آليات مرنة وفعّالة للتدخل في الوقت المناسب لضبط الأسواق وتلبية احتياجات المواطنين، بما يضمن عدم تأثر الأسعار أو جودة السلع، وهو ما يعكس جاهزية الأجهزة الرقابية وقدرتها على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وأشار إلى أن جهاز حماية المستهلك يعد من أبرز الجهات الرقابية المعنية بضبط الأسواق وحماية المواطنين من الممارسات الاحتكارية أو التضليلية، وذلك في إطار القانون رقم 181 لسنة 2018 بشأن حماية المستهلك، الذي منح الجهاز صلاحيات واسعة للرقابة والتدخل عند رصد أي مخالفات.
وأكد أن الجهاز ينفذ حملات تفتيشية موسعة على المحال التجارية والمخازن وسلاسل التوزيع، بهدف التأكد من توافر السلع الأساسية وعدم استغلال الظروف لرفع الأسعار بشكل غير قانوني.
وتشمل هذه الحملات المرور الميداني على منافذ البيع المختلفة، ومراجعة فواتير الشراء والبيع، ومطابقة الأسعار المعلنة مع الأسعار الفعلية، إلى جانب التأكد من التزام التجار بإعلان الأسعار بشكل واضح للمستهلكين، بما يعزز مبدأ الشفافية داخل الأسواق.
كما يتم رصد أي ممارسات تتعلق بحجب السلع أو ما يُعرف بـ«تعطيش السوق»، وهي ممارسات قد يلجأ إليها بعض التجار لخلق نقص مصطنع في السلع بهدف رفع أسعارها.
وأشار الجزار إلى أن القانون يقر عقوبات رادعة بحق المخالفين، تشمل فرض غرامات مالية كبيرة، فضلًا عن إمكانية إحالة المخالفين إلى الجهات القضائية المختصة، كما يتمتع موظفو الجهاز بصفة الضبطية القضائية، ما يتيح لهم تحرير محاضر بالمخالفات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد أي ممارسات تضر بحقوق المستهلكين.
