رئيس التحرير
عصام كامل

محمد هشام عبية لـ فيتو: ردود الأفعال الإسرائيلية على "صحاب الأرض" أسعدت فريق المسلسل

محمد هشام عبية، فيتو
محمد هشام عبية، فيتو
18 حجم الخط

نجح مسلسل صحاب الأرض في لفت الأنظار منذ عرض حلقاته الأولى، بعدما قدم حكايات إنسانية تدور في قلب الأحداث المأساوية التي يعيشها الفلسطينيون، بعيدًا عن الشعارات المباشرة أو الطرح التقليدي للقضية.

العمل الذي جمع بين الدراما الإنسانية والتوثيق لملامح من الواقع، أثار تفاعلًا واسعًا على المستويين الجماهيري والإعلامي، بل تجاوز صداه ذلك ليصل إلى قلب دولة الاحتلال ويثير جدلًا هناك. 

وفي هذا الحوار، يتحدث السيناريست محمد هشام عبية عن كواليس انضمامه إلى المسلسل، والمصادر التي اعتمد عليها في كتابة العمل، كما يكشف عن رأيه على ردود الفعل التي صاحبت المسلسل، سواء في غزة أو حتى في إسرائيل.

كيف انضممت إلى مسلسل صحاب الأرض؟ 

أنا كنت آخر المنضمين للمسلسل، وذلك في بداية ديسمبر الماضي، ولقد كتبت ٧ حلقات، كما قمت بتطوير الحلقات الأولى وإضافة بعض المشاهد والشخصيات والأحداث.

هل كان لديك اهتمام مسبق بفلسطين والكتابة عنها؟

أنا مهتم بفلسطين بشكل عام، فهي بعيدا عن أي انحيازات إنسانية أو وطنية أو قومية أو دينية دراما مغرية لأي كاتب، وطوال الوقت كان عندي الرغبة ، وأفتش وأشعر أنني لا أستطيع كتابة عمل عن فلسطين بشكل عام إلا إذا استندت إلى مصدر من هناك، مثل رواية مكتوبة يمكن تحويلها إلى عمل درامي، وهذا مشروع لا يزال بداخلي، وفي "صحاب الأرض" كان هناك ميزة وهي وجود جانب مصري واضح متمثل في البطلة المصرية، إضافة إلى أن الدور المصري كان بشكل أو بآخر موجود في الحرب، هذا الأمر جعلني قادرًا على الكتابة بدون الشعور بالقلق، وأنا بالفعل عندي رغبة في كتابة عمل آخر عن فلسطين بشكل عام، لعل وعسى هذا يحدث قريبا.

هل كان هناك تخوف من أن ينظر إلى المسلسل باعتباره عملًا دعائيًا؟ 

كان لدي هذا التخوف، لذلك سألت منذ البداية، “إيه محدداتنا..إحنا عايزين إيه؟” لكن في الحقيقة لم يوجه لي أحد أي تعليمات من أي نوع على الإطلاق، لكن الرجاء الوحيد إن تمكنا من تقديم دور مصر في دعم القضية بشكل لطيف فليكن، وكان بيتر ميمي يؤكد لي هذه المعلومة أننا لا نقدم مسلسل دعاية بل مسلسل عن الناس في فلسطين.

مع طرح فكرة مسلسل يتناول الحرب على غزة، ألم يكن هناك قلق من حالة التشبع لدى الجمهور من هذه الأحداث؟ 

بالطبع كان هناك قلق، وهذا كان أول نقاش دار بيني وبين الدكتور بيتر ميمي، وقلت له إننا إن قدمنا نشرة أخبار جديدة عن غزة لن يشاهدها الجمهور فضلًا عن أنها ستكون غير ممتعة أو جذابة، والحقيقة إن الدكتور بيتر ميمي وكل فريق العمل كانوا واعيين من البداية أننا نقدم مسلسلًا إنسانيًا في المقام الأول، وليس مسلسل شعارات كبرى أو عبارات رنانة، وأن العمل يتناول حياة الناس في غزة، دون أن يغفل الحقائق التي حدثت، لذلك ستجد في المسلسل مزجًا بين حقائق "ضفرناها" في الدراما.

مسلسل صحاب الأرض
مسلسل صحاب الأرض

لماذا حرصتم على تناول ما يحدث في الضفة الغربية إلى جانب غزة داخل المسلسل؟ 

كان قرارًا منذ البداية أن نضم الضفة الغربية إلى الأحداث، فصحيح أن ما يحدث في غزة هو حرب إبادة، إلا أن ما يحدث في الضفة الغربية لا يقل قسوة وما يجري هناك واقع مستمر حتى من قبل الحرب، ولقد كان هذا قرارًا مشتركًا من كل الأطراف أن نتحدث عن الاحتلال في الضفة وغزة لأنهما قطعتين يمثلان بلدا واحدة وهي فلسطين.

وما هي المصادر التي اعتمدت عليها أثناء الكتابة؟ 

رجعت إلى عدد كبير من المراجع، ففي الجزء الخاص بشخصية عم إبراهيم، كنت حريصًا على مراجعة تفاصيل مرتبطة بحروب 1948 و1956 و1967، وعدت إلى العديد من الكتب بالإضافة إلى مواقع مراكز بحثية فلسطينية، كما اعتمدت أيضًا في كتابة المسلسل على العديد من التحقيقات الصحفية والأفلام الوثائقية التي تناولت فترة الحرب على غزة، وخرجت منها بعدد من التفاصيل المهمة، من بينها مثلًا محاولات بعض الأهالي إنتاج وقود من مخلفات البلاستيك والكاوتش، إلى جانب أزمة نقص الفوط الصحية، وهي مشكلة سببت معاناة كبيرة للنساء في تلك الفترة، كما التقيت بمديرة الهلال الأحمر المصري وعدد من المسؤولين في الهلال الأحمر، وتعرفت منهم على آليات تقديم المساعدات والعمل الكبير الذي كان يجري في ذلك الوقت، وكان الهدف من ذلك توظيف هذه التفاصيل دراميًا داخل الأحداث، وقد استفدنا من ذلك بالفعل، وظهر بشكل واضح في بعض الخطوط الدرامية، مثل شخصية سمير السائق الذي كان ينقل المساعدات قبل أن يتفاعل في الأحداث، كذلك تواصلت مع بعض الأشخاص من غزة كانوا يعيشون هناك وقت الحرب، وفهمت تفاصيل الحياة اليومية التي لها علاقة بنمط الحياة والنوم والطعام والشراب والتي كانت مفيدة في الأحداث.

ما أبرز التحديات التي واجهتكم أثناء تنفيذ المسلسل؟ 

المشروع كان صعبًا على مستوى الكتابة بسبب ضيق الوقت، وصعبًا أيضًا على مستوى التنفيذ، لأننا رأينا تنفيذ عالي الجودة في وقت قليل والمسلسل تم تصويره بالكامل في مصر وبإمكانيات مصرية خالصة، وجزء كبير من نجاح المشروع ينسب إلى المخرج الدكتور بيتر ميمي، لأن عملًا بهذا الحجم مهما كان مكتوبًا بشكل جيد، لو لم يتولَّ إخراجه مخرج ماهر وحرفي وذكي، كان سيواجه مشكلة حقيقية، خاصة أننا نقدم مسلسلًا حربيًا بشكل أو بآخر، وهذا النوع من الأعمال يحتاج إلى مخرج متمكن، ولذلك أعتبره أحد الأبطال الرئيسيين للمشروع.

لماذا حرصتم على وجود لحظات من السخرية داخل المسلسل رغم قسوة الأحداث؟ 

كان هذا قرارًا اتخذناه منذ البداية، لأننا نؤمن أن السخرية والضحك أحد أشكال المقاومة، هذا لا يحدث في فلسطين فقط، بل في معظم الحروب، فالإنسان يحاول أن يخفف عن نفسه بالسخرية من الأشياء المخيفة حوله حتى يقل تأثيرها عليه، هذه منهجية نفسية إنسانية دفاعية بحتة، وعندما جلست مع الدكتور بيتر ميمي في البداية قلت له إن لدي إحساسًا بأن المسلسل لا يجب أن يكون قاتمًا، فأخبرني أن هذا الأمر موجود بالفعل، وبدأنا نضيف بعض المشاهد الخفيفة "وإحنا بنشتغل ونصور"، وممكن هذه من الأمور التي "ضايقت" إسرائيل " لأن بالرغم كل ما يفعلونه لا يزال أهل غزة في الآخر قادرين إنهم "يهزروا ويضحكوا".

لماذا ابتعد المسلسل عن التركيز على مشاهد الاشتباكات؟ هل كان ذلك مقصودًا؟ 

نعم، كان هذا مقصودًا تمامًا، نحن قررنا منذ البداية ألا ندخل في النقاش حول من يقاوم أو أي جهات مقاومة هي التي تمثل الشعب الفلسطيني، لأن هذا موضوع قد يكون مادة لفيلم أو مسلسل آخر، لكنه لم يكن هدف هذا العمل، فقد كان هدفنا أن نتحدث عن الإنسان الفلسطيني العادي، وحجم تأثره بهذه الحرب المجنونة ومحاولته للنجاة، هذا كان قرارًا واعيًا منذ البداية، لأن الدخول في الجدل السياسي أو الفكري كان سيبعدنا عن الجمهور الذي نريد الوصول إليه، كما أنه لم يكن الهدف الأساسي من تقديم المسلسل.

ما أكثر الشخصيات التي شعرت بقربها منك داخل العمل؟ 

في الحقيقة معظم الشخصيات كانت قريبة مني وكانت مؤثرة، لكن ربما أكون منحازًا لشخصيتين تحديدًا لأنني أنا من اخترعتهما داخل العمل ولم تكونا موجودتين في النص، ولأن كلًا منهما يحمل تركيبة درامية أنا أحبها، وهما شخصية "سارة" الضابطة الإسرائيلية، وشخصية "فدوى" الفتاة الفلسطينية الحامل. 

كيف كانت تجربتك في العمل مع منة شلبي وإياد نصار في "صحاب الأرض"؟ 

هما الاثنان كانا يدركان أننا نعمل على مشروع شديد الصعوبة، لكنه في الوقت نفسه يحمل قضية مهمة جدًا، ولم تكن لديهما فكرة "أنا النجم" أو من هو رقم واحد ومن رقم اثنين، على العكس، كان لديهما وعي كبير بأننا نقدم مسلسلًا سيكون مهمًا وفارقًا ويتحدث عن ناس وقضية تهمنا، ولذلك كانا متعاونين إلى أقصى حد، وهذه طبيعتهم بالفعل، لكن في هذا العمل كان الأمر أكثر وضوحًا وكان "متجلي".

وهل جاء أدائهما قريبًا مما تخيلته أثناء الكتابة؟ 

بل قدما الشخصيات بشكل أفضل، فهناك مشاهد كانوا فيها "متجليين"، فعلى سبيل المثال هناك مشهد لمنة شلبي أثناء وجودها في المستشفى عندما كانت قوات الاحتلال يخرجون الجثث، أنا أراه مشهدا عالميًا، رغم أنها لم تقل فيه كلمة واحدة، فقط اعتمدت على تعبيرات وجهها، كذلك إياد نصار لديه مشاهد كثيرة، في الحقيقة هما ممثلين "تقال"، وكنت "محظوظ إني اشتغلت معاهم في المشروع ده ومشاريع تانية قبل كده ويارب تاني بقى".

هل كانت نهاية العمل مقصودة؟ 

نعم كنا نقصد أن تكون النهاية بهذا الشكل، لأننا أردنا أن نفتح بابًا للأمل أمام المشاهدين، خاصة أن العمل شهد فقدان عدد كبير من الشخصيات خلال الحلقات، وكنا متفقين على هذه النهاية منذ وقت مبكر، أن تنجح سلمى في الوصول إلى مصر برفقة يونس والطفل الصغير، وفي الوقت نفسه يظل ناصر في غزة لأنها أرضه.

كيف رأيت رد فعل أهالي غزة على المسلسل؟ 

أكثر شيء مرضي لنا أن المسلسل "اتشاف" في المكان الذي كان يجب أن "يتشاف" فيه، كان ذلك أمرًا مرضيًا جدًا بالنسبة لنا، ومن أجمل اللحظات أن نرى صور متداولة للمسلسل وهو يعرض داخل خيمة في غزة، كان عظيم جدا بالنسبة لنا.

وماذا عن رد الفعل الإسرائيلي على “صحاب الأرض”؟ 

أشعرني بالسعادة، وكنت إلى حد ما أتوقع أن يثير العمل ردود فعل لديهم، لأنني أرى المسلسل أثناء التحضير والكتابة والمونتاج وكنت أعرف إنه "هيضايقهم" لأنه يقدم سردية مختلفة عن السردية المطلقة التي يروجون لها، لكن في الحقيقة لم أتوقع أن يصل الأمر إلى أن تتحدث عنه المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، كنت أتوقع انتقادات في الصحافة أو على شاشات التلفزيون، لكن أن يصدر تعليق من مسؤول في الجيش كان أمرا غريبا بالنسبة لي، وإذا كان العمل قد أزعجهم "ده شيء يسعدنا الحقيقة.. ونشوف لو نقدر نزعجهم تاني" وفي النهاية نحن لم نزعجهم بسلاح أو بصواريخ، بل بعمل درامي وسيناريو وأبطال على الشاشة.

هل ترى أن الكتابة يمكن أن تكون شكلًا من أشكال المقاومة؟ 

الكتابة بشكل عام شكل من أشكال المقاومة، مقاومة كل شيء، مقاومة يأسنا، وإحباطنا، ومقاومة الأفكار الشريرة التي تهاجمنا، ومقاومة الجو العام السيئ، ومقاومة الاحتلال، لأننا كما قال الشاعر صلاح جاهين: "لا فى ايدى سيف ولا تحت مني فرس"، حيث إننا ككتاب “مش في إيدينا حاجة غير الكتابة”.

الجريدة الرسمية