ما المعنى الشرعي للصيام وفلسفته وحكمته؟ الشيخ عبد الحليم محمود يوضح
سئل فضيلة الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق عن المعنى الشرعى للصيام وفلسفته وحكمته.
ورد الشيخ عبد الحليم محمود فقال:
تقول الآية الكريمة ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ من هنا نتحدث عن حكمة الصيام وحكمه ومشروعيته منذ أن فرضه الله تعالى، ففي السنة الثانية للهجرة فرض الله تعالى على المسلمين صيام شهر رمضان، ومن هنا جعل الإسلام الصيام شهرا واحدا فى العام، فحينما كان يهل شهر رمضان المبارك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فى المسلمين خطبة يبين فيها فضل الشهر المبارك.
صيامه فريضة وقيامه تطوعا
فعن سلمان رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان قال:"يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيامه تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه.
وشهر رمضان المعظم هو شهر غفران الذنوب وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فى رزق المؤمن فيه، من أفطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير ان ينتقص من أجره شيئا.

شهر أوله رحمة
وأضاف فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود: قالوا يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعطى الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة، أو على شربة ماء أو مذقة لبن، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، من خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وعتقه من النار، فاستكثروا فيه أربع خصال،، خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لاغناء بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه.
من سقا مسلما سقاه الله
وأما الخصلتان اللتان لاغناء بكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار، ومن سقا صائما سقاه الله من حوضى شربة لايظمأ حتى يدخل الجنة، أى أن الله سبحانه وتعالى ييسر له دائما الرأى فى سهولة، فلا يأتى عليه ظرف يكون فيه في أزمة لشدة الظمأ.
تحرير الناس من العبودية
وقد فرض الله الصيام ليحرر الانسان من العبودية للعادة، فإن الصيام يقلب العادات رأسا على عقب ويعلم الانسان نوعا من المرونة حتى لا يتصرف تصرف الالة، والصيام لا عدل له ولا مثيل له فى تهيئة النفوس للتقوى، ومن انتهى الى هذا وصام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ماتقدم من ذنبه وما تأخر، ومن هنا كان المعنى العميق للحديث ( كل عمل ابن آدم: الحسنة بعشر أمثالها الى سبعمائة ضعف قال الله تعالى "الا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به ".
قصد الله تعالى إلى جانب فرضية وشرعية الصوم ضمن الفروض الخمسة للإسلام، وجود فلسفة صحية للصيام تقوم على اساس ان إرهاق المعدة بالطعام الزائد عن حاجتها يسيء إلى الجسم عامة ويجلب عليها ألوانا من المرض، لذلك يقول تعالى في كتابه الكريم " وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين".

ونعود إلى حكمة الصوم في آية الصيام إلى عبارة "لعلكم تتقون " فالتقوى تتألف من عنصرين عنصر إيجابي وهو القيام بما أمر الله به من فروض وواجبات فى القول كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما العنصر الثانى من عناصر التقوى فإنه الانتهاء عما نهى الله عنه في القول: كالنميمة التي يمثل الله فاعلها بمن يأكل لحم أخيه ميتا وكالكذب بجميع انواعه.
الصوم جنة ووقاية
فإذا ما تحققت التقوى بالصيام فقد تحققت القيم الروحية التى أحبها الله سبحانه وتعالى للصائم، يقول الرسول الكريم "إنما الصوم جنة، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إنى صائم إنى صائم، ففى هذا الحديث الشريف يبين رسول الله ما ينبغى للصائم، وهو أن يكون صومه جنة، أى وقاية له، وقاية عن إهمال ما أمر الله به، ووقاية من إتيان ما نهى الله عنه.
صدق النية وقوة العزيمة
ولا ينتهي الصوم إلى ثمرته التي أرادها الله منه إلا إذا صدقت النية وقويت العزيمة وصام الإنسان إيمانا واحتسابا ـ أي صام على التصديق والرغبة طيبة بالصوم نفسه غير كاره ولا مستثقل لأيامه وصام طلبا لوجه الله تعالى وصدقت نيته فى النجاة واستشرقت نفسه لرضوان الله، وإذا لم يتوفر كل ذلك تحقق الثواب من الصيام أما بغير ذلك فليس للصوم من فائدة إلا الجوع والعطش ـ عافانا الله من ذلك،



